ثمة ليالٍ لا تُمحى من الذاكرة مهما تقادم الزمن، ليالٍ تظل جراحها تنزف في الوجدان حتى بعد أن يندمل كل شيء حولها. منذ عام 2009، وأنا أحمل في صدري ثقلًا لا يخف، كلما مر اسم "درهم القدسي" على لساني أو خاطري، تنهدتُ نفسًا عميقًا كمن يحاول أن يطرد شبح ذكرى لا تفارقه.
لم يكن درهم مجرد زميل، بل كان من أعظم من عرفت من الأطباء خُلقًا وخَلقًا. رجلٌ اجتمع فيه الطب بالإنسانية، والعلم بالتواضع، والكفاءة بالرحمة. كان رئيس قسم العناية المركزة، ذلك المكان الذي يحمل على عاتقه أرواحًا تتأرجح بين الحياة والموت.
في تلك الليلة المشؤومة، كان من المفترض أن أكون أنا المناوب. اتصل بي زميلٌ في العناية يستغيث، ظرفٌ طارئ ألمَّ به، وقد اتصل متأخرًا. اعتذرتُ... ولم يجد بديلًا. فحمل درهم، بروح المسؤولية التي عُرف بها، عبء تلك الليلة على كاهله.
في ساعات الليل الأولى، فارق الحياة مريضٌ طاعن في السن، أنهكه فشل الأعضاء المتعدد: كلاه لم تعد تُصفي، كبده لم يعد يعمل، وجسده استسلم لقدره المحتوم. لم يكن درهم هو الطبيب المتابع لحالته، لكنه كان الموجود... وهذا كان كافيًا في عرف البعض.
عندما اتصل درهم بأهل المريض ليُعلمهم بالخبر المؤلم، لم يسمع عزاءً أو دعاءً، بل سمع تهديدًا صريحًا باردًا كالموت نفسه:
لم يكن درهم غافلًا. اتصل بأمن المستشفى، بالمدير الطبي، أُحيطت العناية المركزة بحراسة. لكن ماذا تغني الاحتياطات أمام همجية متجذرة في عقول أُشربت ثقافة الثأر؟
دخلوا... بأسلحتهم وخناجرهم، اخترقوا كل الحواجز، وكأنهم يقتحمون عرينًا لا مستشفى. وجدوه... الطبيب الذي أفنى عمره في إنقاذ الأرواح. لم يحاوروه، لم يسألوه، لم يمنحوه فرصة دفاع أو تفسير. طعنة من الخلف... غادرة كغدر القدر نفسه، اخترقت صدره، مزقت الشريان تحت الترقوة، وتركته ينزف على أرض المكان الذي طالما أنقذ فيه حياة الآخرين. ثم هربوا... كالجبناء.
عندما وصلني الخبر، كان كالصاعقة. اهتز كياني، وشعرت بثقل الذنب يجثم على صدري. لو كنتُ أنا المناوب... لو لم أعتذر... لو...
قعدتُ معه في العناية المركزة ليلتين متتاليتين، أراقبه وهو موصول بجهاز التنفس الصناعي، جسده يحاول أن يقاوم، والدماء تنزف منه دون توقف. منذ اللحظة الأولى، كان النزيف هائلًا، والجسد المثخن بالجراح لم يعد يحتمل.
ظل درهم في العناية قرابة الشهر، يحارب الموت بكل ما تبقى فيه من قوة، بينما كنا نحن نحارب اليأس والغضب والعجز. ثم... في لحظة صمت مريرة، استسلم. توفي درهم... الطبيب الذي لم يقتله المرض، بل قتلته الجهالة.
اعتصمنا... نحن الأطباء، خرجنا إلى الشوارع، وقفنا أمام رئاسة الوزراء، رفعنا أصواتنا مطالبين بالقصاص، بالعدالة، بأن يُحاسب القتلة. لكن صرختنا ضاعت في صحراء اللامبالاة. لا قانون يحمي، ولا دولة تُنصف، ولا عدالة تُرتجى.
تحمل قصة درهم القدسي كل معاني المأساة: مأساة الطبيب في وطن لا يحميه لا قانون ولا دولة، مأساة مهنة الطب التي تحولت إلى مهنة خطرة في بلد ينزف، مأساة مجتمع يقتل منقذيه بسبب جهل متجذر وثقافة ثأر عمياء.
لم يكن درهم مسؤولًا عن متابعة ذلك المريض، لم يكن حتى حاضرًا عند وفاته. لكنه كان موجودًا... وهذا كان كافيًا ليدفع حياته ثمنًا لجريمة لم يرتكبها.
كلما تذكرت درهم، تساءلت: كم من الأطباء سيُقتلون قبل أن نستيقظ؟ كم من الأرواح الطاهرة ستُزهق قبل أن نُدرك أن السلامة في مهنة التخدير والطب لا تعني فقط سلامة المريض، بل تعني أيضًا سلامة الطبيب؟
درهم القدسي... لم تمت ذكراك، بل أصبحت صرخة نحملها في كل كتاب نكتبه، وفي كل درس نعلمه، وفي كل مريض ننقذه.
مُذ عرفتُ الدنيا وأنا وعبدالله لم نفترق. لم تكن أخوتنا مجرد صلة قرابة أو جوار، بل كانت تلك الرابطة النادرة التي تُنسج من خيوط الطفولة المشتركة. لعبنا معًا في أزقة القرية، سرنا معًا إلى المدرسة، تشاركنا الضحكات والأحلام، وكبرنا معًا تحت سماء واحدة.
كان عبدالله... مختلفًا. في شجاعته لا يُشبهه أحد، وفي حبه للخير ونجدة الناس كان فريدًا. كان من أولئك النادرين الذين يركضون نحو الخطر حين يفر منه الآخرون، الذين يمدون أيديهم للإصلاح حين يشعل الآخرون النيران.
في ذات يوم، بينما كنت منهمكًا في عملي بالمستشفى، رنّ هاتفي. كان عمي على الطرف الآخر... صوته يرتجف، نبرته تختنق بالبكاء، كلماته تتعثر كأنها تخرج من حنجرة مطعونة:
لم أستوعب. تجمّد الزمن. توقف كل شيء حولي. كيف؟ لماذا؟ ماذا حدث؟ لم تكن هناك إجابات، فقط صدمة تخترق القلب كرصاصة.
كانوا في طريقهم من قريتنا إلى صنعاء، رحلة اعتيادية تستغرق ثلاث ساعات. لكن تلك الرحلة لم تكن عادية، بل كانت محطة الوداع الأخيرة.
توجهتُ على الفور، قلبي يخفق بقوة، وعقلي يرفض التصديق. التقيتهم في منتصف الطريق... رأيته... عبدالله، الذي كان بالأمس يضحك ويمرح، ممددًا، جسده ملطخ بالدماء، لكن عينيه ما زالتا تحملان بريق الحياة.
رافقته حتى دخلنا المستشفى. دخل غرفة العمليات، وكنت أنا من يُخدّره. يا الله... كيف لي أن أضع القناع على وجه أخي؟ كيف لي أن أُدخله في نوم قد لا يستيقظ منه؟
كان لا يزال قادرًا على الكلام، صوته ضعيفًا لكنه واضح. أمسكتُ بيده، اقتربتُ من أذنه، ولقّنته الشهادتين بصوت يحاول أن يتماسك:
ثم همستُ معه الدعاء الذي علّمنا إياه النبي عند النوم:
كانت تلك آخر كلمات تبادلناها قبل أن يغيب عن الوعي.
استمر عبدالله في العناية المركزة عشرة أيام. عشرة أيام كانت كأنها عشرة دهور. كنا نجلس خارج باب العناية، نترقب، ندعو، نأمل، ونتشبث بخيط واهٍ من الأمل.
لكن الإصابة كانت قاسية... طلق ناري في البطن، مزّق الأحشاء، أتلف الأعضاء، ونزف منه الدم والحياة معًا.
في اليوم العاشر، استسلم جسده. لفظ عبدالله أنفاسه الأخيرة، وصعدت روحه الشجاعة إلى بارئها، تاركة خلفها فراغًا لا يُملأ وحسرة لا تُوصف.
لماذا مات عبدالله؟
لم يكن معتديا ، لم يكن طرفًا في نزاع. لقد ذهب ليُصلح بين جيران متخاصمين، ليُطفئ نار الفتنة، ليجمع شمل المتحاربين. لكنه دفع ثمنًا غاليًا... دفع حياته.
وقف بين المتقاتلين، حاول أن يفكّ الاشتباك، أن يُسكت صوت السلاح بصوت العقل. لكن رصاصة غادرة - لم تُفرّق بين مُصلح ومُفسد، بين بريء ومُذنب. اخترقت جسده، وأنهت حياة أشجع الرجال.
هكذا هي بلادنا... يذهب أعظم من فيها بسبب حُمق أجهل من فيها. نفقد الشجعان، ونُبقي على الجبناء. نخسر المُصلحين، ونحتفظ بالمُفسدين. نُودّع الذين يحملون مشاعل النور، ونبقى في ظلمة دامسة.
عبدالله لم يكن مجرد صديق، بل كان رمزًا للشجاعة والإيثار. كان يمثل ذلك الجيل الذي يُضحّي بنفسه من أجل الآخرين، الذي يُقدّم روحه فداءً للسلام.
تعلّمتُ من موت عبدالله درسًا قاسيًا: أن السلامة في مهنة الطب، وفي الحياة عمومًا، لا تعتمد فقط على مهاراتنا وحذرنا، بل تعتمد أيضًا على البيئة التي نعمل فيها، على المجتمع الذي نعيش فيه، على القوانين التي تحمينا أو تُهملنا.
عبدالله مات ليس لأنه أخطأ، بل لأنه أحسن. مات لأنه اختار الشجاعة على السلامة، والإصلاح على الحياد. وهذا هو الثمن الذي يدفعه الأخيار في بلاد لا تعرف قيمة الخير.
نم قرير العين يا عبدالله... فقد عقمت النساء أن تلد أشجع منك.
رحمك الله، وجعل قبرك روضة من رياض الجنة، وجمعنا بك في الفردوس الأعلى، حيث لا رصاص يُطلق، ولا دماء تُسفك، ولا أرواح طاهرة تُزهق.
ذكراك باقية... وشجاعتك خالدة... ودروسك محفورة في قلوبنا وفي صفحات هذا الكتاب.
إلى روح عبدالله... البطل الذي لم يتأخر على من طلب المساعدة ا، البطل الذي حمل قلبًا أشجع من كل الأسلحة
مع مطلع عام 2011، اشتعلت اليمن. خرج الشباب إلى الساحات يحملون أحلامهم وأصواتهم، يطالبون بالكرامة والحرية. لم يحملوا سلاحًا، بل حملوا رايات وهتافات. لكن الرد كان رصاصًا... رصاصًا لا يُخطئ.
بدأت الإصابات تتوافد إلى المستشفى: إصابات قنص دقيقة، محترفة، قاتلة. رصاص في الرأس، رصاص في الصدر، رصاص يستهدف القلب مباشرة. كان واضحًا أن من يُطلق النار لا يريد إخافة المتظاهرين... بل يريد قتلهم.
أنقذنا شبابًا كثيرين في تلك الأيام، لكننا فقدنا آخرين. كانت كل حالة تدخل غرفة العمليات معركة بين الحياة والموت، وللأسف... لم ننتصر في كل المعارك.
لكن ثمة يوم واحد لا يُمحى من الذاكرة، يوم نُقش بالدم والألم في وجداني إلى الأبد: جمعة الكرامة.
في ذلك اليوم، حاول المتظاهرون تجاوز جدار خرساني يحيط بمخيمهم، أرادوا أن يتوسعوا، أن يُعلنوا رفضهم بصوت أعلى. لكن القناصة كانوا بالمرصاد، متمركزين في المباني العالية حول ساحة المظاهرات، أسلحتهم مصوّبة، وأوامرهم واضحة: أطلقوا النار.
وهكذا... تحوّلت الساحة إلى منصة أعدام. سقط الشباب كأوراق الخريف، دماؤهم تسيل على الأسفلت، وصرخاتهم تمزق السماء.
بدأوا يتوافدون إلى المستشفى... لا، ليس توافدًا، بل انهيالًا. سيارات الإسعاف تصل تلو الأخرى، تفرغ حمولتها من الأجساد الملطخة بالدماء، ثم تعود لتحمل المزيد.
لم أرَ في حياتي كمية دماء كتلك. غرفة الطوارئ تحوّلت إلى بحر أحمر، الأرضية زلقة، الملابس مبللة، الأيدي مخضّبة.
كنت أُسابق الزمن، لكن الزمن كان أسرع. كل ثانية تأخير تعني موت إنسان. كنت أحتار: أي حالة أبدأ بها؟
اضطررت أن أتخذ القرار الأصعب في حياة أي طبيب: الفرز. أن أختار من يعيش ومن قد يموت. فذهبت إلى الأكثر نزيفًا، الأكثر حاجة، الذين لا يزال لديهم فرصة.
تنقّلتُ بين غرف العمليات، أُخدّر هذا، أُنعش ذاك، أُساعد زميلًا في وقف نزيف، أُسارع لإسعاف آخر. كنا فريقًا واحدًا، نحارب الموت بكل ما أوتينا من قوة وعلم.
غرقنا في الدماء... أنا والزملاء الذين معي. ملابسنا حمراء، أيدينا لا تجف، عيوننا محتقنة من التعب والدموع المكبوتة.
لكننا لم نستسلم. أنقذنا من استطعنا إنقاذه. أدّينا مهمة الملائكة في ذلك اليوم، حاربنا الموت وانتصرنا في بعض المعارك.
لكن... توفي الكثيرون. شباب في مقتبل العمر، أحلامهم لم تكتمل، حياتهم قُطعت بلا رحمة. خرجوا من بيوتهم في الصباح يحملون الأمل، وعادوا في توابيت.
وأنا أقف وسط كل تلك الدماء، وسط كل تلك الأجساد الممزقة، وسط كل تلك الأرواح التي تُزهق، سألت نفسي:
كيف لصراع على السلطة أن يقتل أعزّ فلذات الوطن؟
كيف لطموح رجل، أو مجموعة رجال، أن يبرر قتل العشرات، بل المئات؟ كيف يُسفك الدم بهذه السهولة؟ كيف تُزهق الأرواح من أجل منصب زائل؟
جمعة الكرامة لم تكن يومًا عاديًا، بل كانت لحظة فارقة في حياتي كطبيب. رأيت فيها أقصى درجات الإنسانية والوحشية معًا.
رأيت الشباب الذين ضحّوا بأرواحهم من أجل وطن أفضل، ورأيت القتلة الذين لم يتردّدوا في إطلاق النار على صدور عارية.
رأيت الأطباء والممرضين وهم يحاربون الموت بكل ما يملكون، ورأيت السياسيين وهم يتصارعون على كراسيهم فوق جثث الأبرياء.
تعلّمتُ أن الطب في بلاد تحترق ليس مجرد مهنة، بل هو رسالة محفوفة بالمخاطر، وأن الطبيب في مثل هذه البلاد لا يُنقذ الأرواح فقط، بل يُصارع الموت في ظروف مستحيلة.
تعلّمتُ أن أعظم جريمة هي أن تُقتل أحلام الشباب من أجل كراسي السلطة، وأن أعظم خسارة هي أن نفقد أفضل ما في الوطن بسبب طمع أسوأ ما فيه.
لن ننسى الدماء التي غرقنا فيها، لن ننسى الأرواح التي صعدت إلى بارئها، لن ننسى الشباب الذين دفعوا حياتهم ثمنًا لحلم بوطن أفضل.
ولن ننسى أننا، نحن الأطباء، وقفنا في وجه الموت ذلك اليوم، وأنقذنا من أنقذنا، وبكينا على من لم نستطع إنقاذه.
اليمن... يا جرحًا لا يندمل... متى تشفى؟
اليوم الأول في أي تخصص طبي هو يوم مهيب، يوم تقف فيه على عتبة عالم جديد، تحمل شهادتك وثقتك المهتزة، وتستعد لمواجهة الواقع الذي لا يرحم المبتدئين.
كان ذلك أول يوم لي في قسم التخدير. دخلتُ غرفة العمليات بقلب يخفق، وعينين تراقبان كل تفصيلة، وعقل يحاول أن يستدعي كل ما تعلّمته في الكتب. لكنني لم أكن أعلم أن أول درس حقيقي لن يأتي من الكتب، بل من موقف محرج لن أنساه ما حييت.
أمرني الدكتور زهير، استشاري التخدير، بمهمة بسيطة - أو هكذا بدت لي:
كانيولا؟ بسيطة! لقد تعلّمتها في الكلية، شاهدتها مرات، قرأت عنها. كم يمكن أن تكون صعبة؟
أحضرتُ الكانيولا، والكحول المعقم، ومسحتُ جلد المريض بعناية، وأدخلتُ الإبرة في الوريد بنجاح. رأيتُ الدم يتدفق في أنبوب الكانيولا... ممتاز! لقد نجحت!
لكن... حين حاولتُ أن أُغلق الكانيولا بوضع السدادة على فوهتها، لم تثبت. حاولت مرة أخرى... لا فائدة. السدادة لا تدخل، والدم بدأ يخرج، يتدفق على يدي، يلطّخ القفازات، يُحرجني.
أعدتُ المحاولة... ومرة أخرى... وأخرى. الدم يخرج، والسدادة لا تدخل. يدي تلطّخت بالدم، المريض ينظر إليّ بقلق، والممرضات يتهامسن.
وفي تلك اللحظة، سمعتُ صوتًا يقهقه خلفي... إنه الدكتور زهير.
شعرتُ بأن الأرض تنشق تحت قدميّ. الحرج كان يخنقني، والدم على يديّ كان يزيد من ارتباكي. نظرتُ إلى الدكتور زهير، متوقعًا أن يتدخل، أن يُنقذني، أن يُريني ما الخطأ.
لكنه... لم يتحرك.
بقي واقفًا، مبتسمًا، يراقبني وأنا أتخبط، يتابع محاولاتي الفاشلة، ولا يُحرّك ساكنًا.
استمر الموقف... ثوانٍ بدت كأنها وقت طويل. أنا أحاول، والدم يخرج، والسدادة لا تدخل، والدكتور زهير يُراقب.
ثم... كالملاك الذي ينزل من السماء، أتت ممرضة بالصدفة. نظرت إلى يديّ الملطختين بالدم، ونظرت إلى الكانيولا، وابتسمت ابتسامة عارفة.
اقتربت مني بهدوء، وأخذت السدادة من يدي، وقالت بصوت لطيف:
نظرتُ إلى السدادة... وفعلًا! كان هناك غطاء بلاستيكي صغير يسدّ فتحتها من الداخل. أزالته... ووضعتُ السدادة بسهولة. دخلت بسلاسة، وأُغلقت الكانيولا، وتوقف نزيف الدم.
شعرتُ بمزيج من الارتياح والإحراج الشديد. كيف لم ألاحظ ذلك الغطاء؟ كيف فاتني هذا التفصيل البسيط؟
لكن حين نظرتُ إلى الدكتور زهير، لم أجد في عينيه سخرية، بل حكمة.
لقد تركني أتخبط عمدًا. لم يُنقذني مبكرًا، لم يتدخل في اللحظة الأولى. تركني أخطئ، تركني أُحرج، تركني أتعلّم.
لأنه كان يعلم أن الدرس الذي يأتي من الخطأ لا يُنسى أبدًا.
مرّت سنوات طويلة منذ ذلك اليوم، خدّرتُ مئات، بل آلاف المرضى، وضعتُ كانيولات لا تُعد ولا تُحصى. لكنني في كل مرة، حين أمسك بالسدادة، أتذكر ذلك اليوم. أتذكر الدم على يديّ، وقهقهة الدكتور زهير، والممرضة المنقذة.
لم أنسَ أبدًا أن أتفحص وجود الغطاء الداخلي للسدادة.
كان للدكتور زهير حكمة عميقة في طريقة تعليمه. لم يكن يريد أن يُنشئ أطباء يعتمدون عليه في كل خطوة، بل أراد أن يُنشئ أطباء يتعلمون من أخطائهم، يواجهون التحديات بأنفسهم، ويتذكرون الدروس مدى الحياة.
التعليم الحقيقي لا يأتي من الإنقاذ السريع، بل من السماح بالفشل تحت المراقبة.
لو أنه تدخّل في اللحظة الأولى، لو أنه أرشدني فورًا، لكنتُ نسيتُ الموقف بعد ساعة. لكن لأنه تركني أتخبط، لأنه تركني أُحرج، لأنه تركني أتعلم بالطريقة الصعبة... لم أنسَ أبدًا.
هذا الموقف البسيط علّمني درسًا أكبر بكثير من مجرد كيفية وضع كانيولا. علّمني أن السلامة في التخدير تكمن في التفاصيل الصغيرة.
كم من الأخطاء الطبية الكبيرة نشأت من تفصيل صغير تم إهماله؟ كم من المضاعفات الخطيرة حدثت بسبب خطوة بسيطة لم تُنفّذ بشكل صحيح؟
الكانيولا التي لا تُغلق بشكل صحيح قد تسبب نزيفًا. الدواء الذي يُعطى بجرعة خاطئة قد يقتل. الأنبوب الذي يُوضع في المكان الخاطئ قد يُسبب اختناقًا.
التفاصيل الصغيرة ليست صغيرة في الطب... إنها الفرق بين الحياة والموت.
اليوم، وأنا أكتب هذا الكتاب عن السلامة في التخدير، أتذكر الدكتور زهير بكل تقدير وامتنان.
لم يكن معلّمًا عاديًا، بل كان معلّمًا حكيمًا. علّمني أن الخطأ ليس عيبًا، بل هو فرصة للتعلم. علّمني أن الإحراج اللحظي خير من الخطأ القاتل المستقبلي.
شكرًا لك يا دكتور زهير... على قهقهتك التي لم أنسها، وعلى حكمتك التي غيّرت طريقة تعلّمي، وعلى درسك الذي لا يُنسى.
في عالم الطب، وخاصة في التخدير، لا مجال للغرور، ولا مكان للتسرع، ولا عذر لإهمال التفاصيل.
كل خطأ صغير قد يتحول إلى كارثة كبيرة. وكل درس نتعلمه من أخطائنا قد يُنقذ حياة في المستقبل.
أول يوم لي في التخدير علّمني أكثر من كل الكتب التي قرأتها... علّمني التواضع، والانتباه، وقيمة التعلم من الخطأ.
في عالم غرف العمليات، حيث التوتر يملأ الأجواء والمسؤولية ثقيلة كالجبال، ثمة شخصيات نادرة تُضيء المكان بروحها المرحة، تجعل من الجدية مساحة للابتسامة، ومن الضغط فرصة للتنفس.
كان أبو جهاد واحدًا من هؤلاء النوادر.
فني تخدير مخضرم، عمل لسنوات طويلة في الخدمات الطبية الملكية في الأردن، خبرته تُعد بعشرات السنين، ومهارته لا يُشق لها غبار. كان على أعتاب التقاعد، لم يتبقَّ له إلا القليل من السنوات، لكن روحه كانت شابة مرحة، ونفسه كانت مُفعمة بحب المزاح.
لكن مزاح أبو جهاد لم يكن عاديًا... بل كان مقالب احترافية لا تُحصى ولا تُنسى.
من أشهر مقالب أبو جهاد، والذي وقعتُ في شباكه مرارًا وتكرارًا، كان مقلب "الموجات الكاذبة".
المشهد يبدأ هكذا:
ننتهي من العملية الجراحية، وأوقف جهاز التخدير عن إعطاء الغاز المُخدّر، وأنتظر أن يستيقظ المريض ويبدأ بالتنفس التلقائي. ألتفت إلى شاشة المراقبة، وأُدير ظهري للمريض، وأُركّز عينيّ على موجات الكابنوغراف (Capnograph) - تلك الموجات التي تُعبّر عن ثاني أكسيد الكربون الخارج من رئتي المريض.
القاعدة بسيطة:
كنت أراقب الشاشة بتركيز، في انتظار تلك الموجات المُنتظرة... وفجأة، تظهر الموجات!
صعود... نزول... صعود... نزول... ممتاز! المريض بدأ يتنفس!
أبدأ على الفور بإجراءات إزالة أنبوب الرغامي من فم المريض. أُحضّر المعدات، أُجهّز القناع، أستعد لسحب الأنبوب. والجراحون والممرضون حولي يتفرّجون... وعلى وجوههم ابتسامات مُريبة يحاولون إخفاءها.
أسحب الأنبوب... أضع القناع على وجه المريض لإعطائه الأكسجين... وأنتظر أن يأخذ نفسه الأول.
لكن... لا شيء.
المريض لا يتنفس. صدره لا يتحرك. لا نفس واحد.
أُصاب بالذعر. أنظر إلى الشاشة مرة أخرى... الموجات اختفت! ماذا حدث؟!
ألتفت إلى الاستشاري، عيناي واسعتان، صوتي يرتجف:
ينظر إليّ الاستشاري بابتسامة عارفة، ويقول بهدوء:
وفجأة... تنفجر غرفة العمليات بالضحك.
يقهقه الجراحون، تضحك الممرضات، ويُطلق الفنيون العنان لضحكاتهم المكتومة. وفي الزاوية، يقف أبو جهاد، مبتسمًا ابتسامة المنتصر، يداه لا تزالان على صدر المريض.
اتضح الأمر: كان أبو جهاد يضغط على صدر المريض بإيقاع منتظم، يُحاكي حركة التنفس الطبيعي، فتظهر الموجات على شاشة الكابنوغراف وكأن المريض يتنفس فعلاً!
خدعة بسيطة، لكنها احترافية. خبرة عشرات السنين تُستخدم في... مقلب!
وقعتُ في هذا المقلب مرات عديدة، لكنني في كل مرة كنتُ أتعلم درسًا جديدًا:
لا تعتمد على الشاشات وحدها... انظر إلى المريض!
كانت مقالب أبو جهاد، رغم إحراجها، دروسًا تعليمية مُقنّعة بالمزاح. علّمتني ألا أثق بالأجهزة، وأن أستخدم حواسي كلها: النظر، اللمس، السمع. علّمتني أن الطبيب الجيد لا يُراقب الشاشة فقط، بل يُراقب المريض أولاً.
وعلّمتني أيضًا أن الضحك في غرفة العمليات ليس أمرا خاطئا، بل هو أحيانًا ضرورة، لكسر التوتر، ولتخفيف الضغط، ولتذكيرنا بأننا بشر قبل أن نكون أطباء.
لم يكن أبو جهاد مجرد فني، بل كان معلّمًا بطريقته الخاصة. لم يُلقِ محاضرات، ولم يكتب في دفاتر، لكنه غرس فينا دروسًا لا تُنسى من خلال مقالبه.
كان يُعلّمنا التواضع: مهما بلغت خبرتك، يمكن أن تُخدع.
كان يُعلّمنا اليقظة: لا تثق بكل ما تراه على الشاشة.
كان يُعلّمنا الإنسانية: الضحك يُخفف من ثقل المسؤولية.
اليوم، وأنا أكتب هذا الكتاب، لا يسعني إلا أن أرفع تحية إجلال وتقدير:
تحية لأبو جهاد، الفني المخضرم، صاحب المقالب التي لا تُنسى، والدروس التي تُحفظ بالضحك.
تحية لأستاذي يوسف أبو عمران، الذي علّمني فنون التخدير بصبر وحكمة.
تحية للدكتور راضي بدر، الذي غرس فيّ حب هذا التخصص وأهمية السلامة فيه.
وتحية لجميع من كان لهم فضل عليّ، من أساتذة وزملاء وفنيين، الذين شكّلوا مسيرتي المهنية، وتركوا بصمة في قلبي وذاكرتي.
في عالم الطب الجاد، حيث كل قرار قد يكون مسألة حياة أو موت، ثمة مساحة للضحك، ثمة مكان للمزاح، ثمة حاجة للروح المرحة التي تُخفف من ثقل المسؤولية.
لكن الضحك الحقيقي، الضحك الذي يحمل قيمة، هو الضحك الذي يُعلّم، الذي يُنبّه، الذي يُذكّر، الذي يجعلنا أفضل.
مقالب أبو جهاد لم تكن مجرد مزحات، بل كانت دروسًا لا تُنسى، مُغلّفة بالضحك.
طبعا نحن في نهاية العملية ولا يوجد خطر على سلامة المريض ونبقى نعطي المريض تنفس بالماسك حتى يكون في أمان.
في أوائل الألفية الثانية، ظهرت في الأسواق أجهزة جديدة أثارت دهشتنا جميعًا: الهواتف الجوالة الذكية (Pocket PC Mobile). لم تكن مجرد هواتف، بل كانت أجهزة سحرية تحتوي على ألعاب، وبرامج، وإمكانيات لم نكن نتخيلها. كانت فتنة العصر، ولعبة الجميع.
وأنا، كغيري من الشباب في ذلك الوقت، انبهرتُ بها. حملتها معي في كل مكان، حتى إلى غرفة العمليات.
لم أكن أعلم أن لحظة انبهار واحدة ستكاد أن تكلفني حياتي... وحياة مريضي.
كانت عملية روتينية، لا تعقيدات فيها. مريض ضخم الجثة، قوي البنية، أُجريت له عملية جراحية بسيطة. استخدمتُ قناع الحنجرة ( LMA - Laryngeal Mask Airway) لتأمين مجرى التنفس، وسارت العملية بسلاسة تامة.
انتهت الجراحة، وأطفأتُ غاز التخدير، وبدأتُ مرحلة الإفاقة. المريض في طريقه للاستيقاظ، الوضع مستقر، الأمور تحت السيطرة.
كنتُ وحدي في الغرفة. الجراح غادر، الممرضات انشغلن بتنظيف الأدوات. لا أحد معي سواي والمريض.
في تلك اللحظة، تذكرتُ هاتفي الجديد في جيبي. لعبة صغيرة بدأتُها في الصباح ولم أُكملها. "دقيقة واحدة فقط"، قلتُ لنفسي. المريض لا يزال نائمًا، الأجهزة تُشير إلى استقرار حالته، ما الضرر في لحظة استراحة صغيرة؟
أخرجتُ الهاتف... وانغمستُ في اللعبة.
ثوانٍ... ربما دقيقة... لا أذكر بالضبط كم من الوقت مرّ. لكنه كان وقتًا كافيًا لحدوث الكارثة.
فجأة... شعرتُ بحركة. رفعتُ رأسي من الهاتف، ورأيت مشهدًا لا يُنسى:
المريض... ذلك الرجل الضخم، القوي، نهض فجأة من طاولة العمليات!
لم يستيقظ بهدوء، لم يفتح عينيه ببطء... بل قفز وكأنه خرج من كابوس. وقف على ركبتيه فوق الطاولة، وقناع الحنجرة (LMA) لا يزال عالقًا في حلقه، الأنابيب متدلية، الأجهزة تصدر أصوات إنذار.
فتح عينيه... لكنهما لم تكونا عيني رجل واعٍ، بل عيني شخص في حالة هذيان ما بعد التخدير (Emergence Delirium) - تلك الحالة الخطيرة التي يستيقظ فيها المريض مشوشًا، عنيفًا، لا يعي ما حوله.
بدأ يترنح... يكاد يسقط من الطاولة.
لم يكن أمامي خيار. لا وقت للصراخ طلبًا للمساعدة، لا وقت للتفكير. ركضتُ نحوه وأحتضنته بكل قوتي، محاولًا منعه من السقوط، من إيذاء نفسه، محاولا انتزاع قناع الحنجرة من حلقه.
لكنه... في حالة هذيانه، لم يفهم أنني أحاول إنقاذه.
وضع يديه حول رقبتي... وبدأ يخنقني.
قوته كانت هائلة، يداه كالكماشة حول عنقي، أصابعه تضغط على حنجرتي، تقطع مجرى الهواء. حاولتُ أن أصرخ، أن أطلب المساعدة، لكن الصوت لم يخرج. كنت مخنوقًا، عاجزًا، محاصرًا بين ذراعي مريضي.
ثوانٍ بدت كأنها دهور. أنا أحتضنه لمنعه من السقوط، وهو يخنقني دون أن يعي. الأجهزة تصرخ بإنذاراتها، الأنابيب تتدلى، وأنا أحاول أن أتنفس، أحاول أن أبقى واعيًا، أحاول أن أُمسك به حتى لا يسقط.
لا أذكر كيف انتهت اللحظات، ربما استعاد المريض بعض وعيه. لكنني نجوتُ... بأعجوبة.
بعد انتهاء كل شيء، بعد أن استقر المريض، واستعاد وعيه الكامل، وأُزيل قناع الحنجرة بأمان، قررتُ أن أفعل شيئًا غير معتاد:
حكيتُ له القصة بصراحة.
أخبرته بما حدث، كيف استيقظ فجأة، كيف وقف على ركبتيه، كيف وضع يديه حول رقبتي.
نظر إليّ بعينين واسعتين، مصدومًا، لا يُصدّق:
كان مستغربًا تمامًا، لا يتذكر شيئًا، لا يُصدّق أنه قادر على فعل شيء كهذا. اعتذر بحرارة، بإخلاص، وشعرتُ أنه أكثر صدمة مني.
هذا الموقف علّمني أقسى وأهم درس في مسيرتي المهنية:
مرحلة الإفاقة من التخدير ليست "وقت استراحة". بل هي أخطر مرحلة في العملية كلها. المريض يمر بحالة انتقالية بين اللاوعي والوعي، وفي هذه اللحظات قد يحدث أي شيء:
كل هذه المضاعفات قد تحدث في ثوانٍ، وقد تكون قاتلة إذا لم يكن الطبيب حاضرًا، منتبهًا، مستعدًا.
منذ ذلك اليوم، أقسمتُ على نفسي:
لن ألهو عن مريضي... لن أنشغل بهاتفي... لن أغفل للحظة... حتى يصل المريض إلى بر الأمان.
"بر الأمان" لا يعني فقط أن يستيقظ المريض، بل يعني:
فقط عندها... يمكنني أن أرتاح.
إلى كل زميل يعمل في هذا التخصص الدقيق:
الهاتف يمكن أن ينتظر. اللعبة يمكن أن تُكمل لاحقًا. الرسالة يمكن أن تُقرأ بعد قليل.
لكن المريض... لا ينتظر.
في ثانية واحدة من الغفلة، قد تحدث كارثة. في لحظة واحدة من الإهمال، قد تُزهق روح.
مسؤوليتنا لا تنتهي بانتهاء الجراحة، بل تنتهي فقط حين يصل المريض بأمان إلى بر النجاة.
كادت لحظة إهمال واحدة أن تُنهي حياتي، وحياة مريضي. كاد هاتف صغير أن يتحول إلى أداة ضارة. كادت لعبة تافهة أن تُسبب كارثة.
لكنني نجوتُ... وتعلّمتُ.
تعلّمتُ أن السلامة في التخدير لا تعتمد فقط على المهارة والمعرفة، بل تعتمد أيضًا على التركيز المستمر، اليقظة الدائمة، والالتزام التام بمراقبة المريض في كل لحظة.
المريض أمانة في عنقك... لا تخذله.
ثمة أيام في حياة الطبيب تجتمع فيها المأساة الشخصية مع الخطر المهني، فتتحول إلى عاصفة لا يمكن نسيانها. كان ذلك يوم جمعة، يوم نادرًا ما نُجري فيه عمليات انتخابية كعمليات التجميل، لكن الظروف اقتضت أن نعمل.
كانت عملية تجميل أنف (Rhinoplasty) لجراح مرموق، عملية طويلة، دقيقة، تتطلب تركيزًا عاليًا. وأنا، في ذلك الوقت، كنت لا أزال مقيمًا في التخدير، أتعلم، أكتسب الخبرة، وأحمل على كاهلي مسؤولية حياة المرضى.
سارت العملية بسلاسة. وضعتُ الحشوة الحلقية (Throat Pack) في بداية العملية - تلك القطعة القماشية التي توضع في الحلق لمنع تسرب الدم من الأنف إلى المعدة أثناء الجراحة. إجراء روتيني، ضروري، لكنه محفوف بالخطر إذا نُسي.
وفي نهاية العملية، بينما كنت أستعد لإيقاظ المريض، جاءني اتصال عبر تلفون المستشفى كان جاري في الأردن يقول لي هناك خبر غير سار خذ زوجتك معك ... كان صوتها مختنق بالبكاء:
توقف الزمن. أبوها... الذي كان خالي أيضًا. الرجل الذي أحببته، الذي كان جزءًا من حياتي. رحل فجأة، دون سابق إنذار.
نزل الخبر عليّ كالصاعقة. شعرتُ بأن الأرض تميد تحت قدميّ، وأن قلبي يُسحق في صدري. أردتُ أن أركض، أن أترك كل شيء، أن أذهب إلى زوجتي، إلى عائلتي.
لكنني... كنتُ مناوبًا. لا يوجد بديل. لا يوجد من يقوم مقامي. المريض لا يزال تحت تأثير التخدير، والعملية لم تنتهِ بعد.
من هول المصيبة، من ثقل الصدمة، من تشتت العقل... نسيتُ إزالة الحشوة.
أوقفتُ غاز التخدير، انتظرتُ حتى بدأ المريض يتنفس، سحبتُ أنبوب الرغامى (Endotracheal Tube)، ونقلتُ المريض إلى غرفة الإفاقة.
كل شيء بدا طبيعيًا... ظاهريًا.
لكن في غرفة الإفاقة، بدأ الكابوس.
المريض لا يستطيع أن يتنفس. يحاول أن يأخذ نفسًا، لكن الهواء لا يدخل. الأنف ينزف، تشبع الأكسجين (SpO2) يهبط بسرعة مرعبة: 95%... 90%... 85%... 80%...
بدأ المريض يزرق (Cyanosis) - لون بشرته يتحول إلى الأزرق، علامة الاختناق.
ظننتُ فورًا أن المريض دخل في تشنج الحنجرة (Laryngospasm) - تلك المضاعفة الخطيرة التي تحدث أحيانًا بعد إزالة الأنبوب، حيث تنقبض عضلات الحنجرة وتسد مجرى التنفس.
أعطيتُه فورًا مرخي العضلات ساكساميثونيوم (Succinylcholine)، الدواء الذي يُستخدم لفك تشنج الحنجرة. لكن... لم يتحسن شيء.
حاولتُ التهوية بالقناع... لا أستطيع. الهواء لا يدخل، كأن هناك انسدادًا كاملاً.
القلب يخفق بعنف، الأجهزة تصرخ بإنذاراتها، المريض يختنق أمام عيني، وتشبع الأكسجين يواصل الهبوط: 75%... 70%...
لم يكن أمامي خيار. قررتُ إعادة التنبيب (Re-intubation) - إدخال أنبوب الرغامى مرة أخرى لتأمين مجرى التنفس.
فتحتُ فم المريض، أدخلتُ منظار الحنجرة (Laryngoscope)، ونظرتُ إلى داخل الحلق...
وهناك... رأيتها.
الحشوة.
لا تزال في مكانها، مُحشورة في البلعوم، تسد مجرى التنفس بالكامل.
توقف كل شيء حولي. شعرتُ بموجة من الرعب، الذنب، الخوف، الصدمة.
كيف نسيتُها؟! كيف لم أتذكرها؟!
كنتُ قد ارتكبتُ أحد أخطر الأخطاء في التخدير. خطأ قد يقتل المريض. خطأ قد ينهي مستقبلي المهني. خطأ لا يُغتفر.
لكن لم يكن هناك وقت للتفكير. سحبتُ الحشوة فورًا، وأدخلتُ الأنبوب، وبدأتُ التهوية.
بدأ الأكسجين يدخل إلى الرئتين... بدأ تشبع الأكسجين يرتفع: 75%... 80%... 85%... 90%... 95%...
بدأ لون المريض يعود تدريجيًا... نجا.
نجا المريض... لكنني لم أنجُ من حزني.
جلستُ بعد أن استقر المريض، ورأسي بين يديّ، أبكي. أبكي على خالي الذي فقدته، وأبكي على الخطأ الذي كدتُ أن أقتل به مريضًا بريئًا. أبكي على لحظة الغفلة التي كادت أن تكلفني كل شيء.
الحمد لله أن المريض نجا من موت محقق.
بعد أيام، بعد أن تلقيت العزاء في وفاة خالي وعدتُ إلى العمل، عقدنا اجتماعًا لمناقشة الحالة. لم يكن اجتماع لوم أو عقاب، بل كان اجتماع تعلّم.
أجرينا تحليل الأسباب الجذرية (Root Cause Analysis):
ووضعنا بروتوكولات جديدة لمنع تكرار الخطأ:
1. علامة واضحة في سجل التخدير
كتابة جملة كبيرة بخط عريض في شارت التخدير:
2. علامة على لفافة تثبيت الأنبوب
وضع ملصق أو شريط ملون على لفافة تثبيت أنبوب الرغامى مكتوب عليه:
3. قائمة تدقيق قبل الإفاقة (Pre-Extubation Checklist)
تشمل:
4. التواصل مع الفريق
إبلاغ الممرض/الممرضة في غرفة العمليات بوضع الحشوة، حتى يذكّروني قبل الإفاقة.
5. عدم العمل تحت ضغط نفسي شديد
إذا تعرض الطبيب لصدمة نفسية كبيرة، يجب أن يُستبدل إن أمكن، أو على الأقل أن يُدعم بزميل آخر.
هذا الخطأ، رغم ألمه، علّمني أعظم درس في السلامة:
لا تعتمد على ذاكرتك وحدها. ضع أنظمة تحميك من نفسك.
البشر يخطئون. الأطباء بشر. نحن نتعب، نحزن، نتشتت، ننسى. لكن الأنظمة والبروتوكولات هي التي تحمي المرضى من أخطائنا البشرية.
إلى كل زميل يضع حشوة حلقية (Throat Pack) في أي عملية:
لا تغفل عنها... أبدًا.
ضع تذكيرات متعددة:
حشوة منسية = موت محتمل.
حياة المريض ومستقبلك المهني يعتمدان على تذكر شيء صغير... لا تنسه.
في لحظة حزن، في لحظة صدمة، في لحظة تشتت، كادت حياة إنسان أن تُزهق.
لكنني تعلّمتُ، وطوّرنا الأنظمة، ووضعنا الحلول.
الخطأ الذي لا نتعلم منه هو المأساة الحقيقية.
أما الخطأ الذي يُحلّل، ويُناقش، وتُتخذ بشأنه إجراءات وقائية، فهو درس يُنقذ أرواحًا في المستقبل.
كانت مريضة فرفوشة - بالمعنى الحرفي للكلمة. مرحة، مبتسمة، غير خائفة، تتحدث بثقة وهي تدخل غرفة العمليات. جاءت من أجل إزالة عقدة صغيرة من معصم اليد (Ganglion Cyst)، عملية بسيطة، روتينية، لا تستغرق أكثر من نصف ساعة.
لم تكن بحاجة إلى تخدير عام، ولا حتى إلى تخدير نصفي. كل ما نحتاجه هو تخدير موضعي لليد فقط. والطريقة المثالية في ذلك الزمان - عندما كنتُ لا أزال مقيمًا - كانت تقنية تُسمى:
Bier Blockحصار بير الوريدي
تقنية Bier Block بسيطة من حيث المبدأ:
بلال كان فني تخدير جديدًا، لا تزال خبرته قليلة. لكنه كان يساعدني في العمليات، ويتعلم، ويقوم بالمهام البسيطة تحت إشرافي.
كانت مهمته في هذه العملية بسيطة: التحكم في الضاغطة الهوائية.
أعطيتُه التعليمات بوضوح:
بدا الأمر واضحًا... أو هكذا ظننت.
مرت خمس دقائق. المريضة تتحدث وتضحك، الجرّاح جاهز للبدء. حان وقت التبديل بين اللفافتين.
نظرتُ إلى بلال وقلت:
ففعل... لكن بالعكس.
فرّغ اللفافة القريبة أولاً، قبل أن ينفخ البعيدة.
في تلك الثانية الواحدة، حدث ما لم يكن يجب أن يحدث:
جرعة كاملة من الليدوكائين - التي كانت محصورة في أوردة الذراع - انطلقت دفعة واحدة إلى الدورة الدموية العامة. عبرت القلب، وصلت إلى الدماغ، وبدأت سُميّتها القاتلة.
المريضة كانت تتكلم... وفجأة...
توقفت.
بدأت ترتجف (Seizure - نوبة تشنجية).
بدأت تزرق (Cyanosis).
فقدت الوعي.
سقطت رأسها على الجانب، وتوقفت عن التنفس.
ما حدث هو Local Anesthetic Systemic Toxicity (LAST) - تسمم جهازي بالمخدر الموضعي.
الأعراض تتطور بسرعة مرعبة:
المرحلة الأولى (الجهاز العصبي المركزي):
المرحلة الثانية (القلب):
المريضة كانت تمر بالمرحلة الأولى... وعلى وشك الدخول في الثانية.
لم يكن هناك وقت للتفكير. صرخت بأعلى صوتي:
وبدأت العمل فورًا:
الإجراءات الطارئة:
وصل الاستشاري مسرعًا. نظر إلى الموقف، وفهم على الفور ما حدث.
بدأت اضطرابات نظم القلب تظهر على الشاشة:
بدأ الاستشاري بروتوكول علاج التسمم بالمخدر الموضعي:
ثوانٍ بدت كساعات. نحن نعمل بسرعة، والمريضة بين الحياة والموت. كل ثانية تأخير تعني خطر توقف القلب.
لكن... بفضل الله، ثم السرعة في الاستجابة، بدأت المريضة تستقر:
نجت... بأعجوبة.
بعد أن استقرت المريضة، وانتهت الأزمة، جاءني الدكتور مجدي - رئيس قسم التخدير.
جلس معي، نظر في عينيّ بنظرة حادة، وبدأ التحقيق:
أجبتُ على كل سؤال، مُعترفًا بمسؤوليتي. نعم، أعطيتُ التعليمات، لكنني اعتمدتُ على فني عديم الخبرة دون مراقبة دقيقة.
ثم قال لي الدكتور مجدي جملة لم ولن أنساها:
فعلًا... كانت ندبة. ندبة لا تُرى بالعين، لكنها محفورة في الذاكرة، في الوجدان، في كل قرار أتخذه بعد ذلك اليوم.
1. لا تفوّض المهام الحرجة لمن يفتقر للخبرة دون مراقبة لصيقة
بلال كان فنيًا جديدًا، وأنا أعطيته مهمة حرجة دون أن أراقب تنفيذها بنفسي. كان يجب أن أضع يدي على يده.
2. اعرف بروتوكول علاج التسمم بالمخدر الموضعي
كل طبيب تخدير يجب أن يعرف بروتوكول LAST عن ظهر قلب:
3. التواصل الواضح لا يكفي... المراقبة ضرورية
أعطيتُ التعليمات بوضوح، لكن بلال أخطأ. التعليمات وحدها لا تكفي، يجب التأكد من التنفيذ الصحيح.
4. Bier Block تقنية بسيطة... لكنها خطيرة إذا أُسيء تنفيذها
اليوم، في معظم المستشفيات الحديثة، استُبدلت بتقنيات أكثر أمانًا (مثل التخدير الناحي بالموجات فوق الصوتية). لكن المبدأ واحد: التفاصيل الصغيرة قد تكون قاتلة.
"لا يا بلال!" - صرخة لم أطلقها في تلك اللحظة، لكنني كنتُ يجب أن أطلقها قبل أن يفعل.
إلى كل طبيب يعمل مع فريق:
المريض لا يعرف أن بلال مبتدئ. المريض يثق فيك أنت.
خطأ صغير... ثانية واحدة... ترتيب خاطئ... كاد أن يقتل مريضة.
لكننا تعلّمنا، وأنقذناها، وحفرنا الدرس في ذاكرتنا.
Brain Scar... فعلًا، يا دكتور مجدي، كانت ندبة لا تُنسى.
ندبة علّمتني أن السلامة في التخدير ليست مجرد معرفة علمية، بل يقظة دائمة، ومراقبة مستمرة، ومسؤولية لا تُفوَّض.
إنذار توقف القلب يصرخ في أرجاء المستشفى. ذلك الصوت الذي يُجمّد الدم في العروق، الذي يجعل قلبك ينبض بسرعة مضاعفة، الذي يُطلق الأدرينالين في جسدك قبل أن تبدأ بضخه في جسد المريض.
ركضتُ.
لا وقت للتفكير، لا وقت للاستعداد النفسي. مريض توقف قلبه، وكل ثانية تأخير تعني موت خلايا دماغية لا تُعوَّض.
وصلتُ إلى الغرفة... المشهد الذي رأيته أطباء وممرضون يُجرون الإنعاش القلبي الرئوي (CPR)المريض على وشك توقف القلب يحتاج الى تأمين مجرى الهواء ، أجهزة المراقبة تصرخ بإنذاراتها، والمريض ممدد، فاقد الوعي، وجهه شاحب.
في حالات توقف القلب، أول أولويات الإنعاش هي:
كانت مهمتي واضحة: التنبيب الرغامي (Endotracheal Intubation) - إدخال أنبوب في الرغامي لتأمين مجرى التنفس وإعطاء الأكسجين مباشرة إلى الرئتين.
أحضرتُ منظار الحنجرة (Laryngoscope)، جهّزتُ أنبوب الرغامي، وضعتُ نفسي في الموقع الصحيح عند رأس المريض.
فتحتُ فم المريض... أدخلتُ المنظار... ورفعتُ اللسان لأرى الحنجرة...
وفجأة... تقيأ المريض.
ليس تقيؤًا عاديًا، بل انفجار من محتويات المعدة. كل الأكل الذي في معدته، المهضوم وغير المهضوم، مع رائحة الحموضة الكريهة (حمض المعدة ، انطلق كالبركان مباشرة في وجهي.
وجهي... عيوني... صدري... غمرني القيء بالكامل.
الرائحة كانت خانقة، كريهة إلى درجة لا توصف. لكن الأسوأ... لم أعد أرى شيئًا.
القيء دخل في عينيّ، اللزوجة غطّت وجهي، المنظار أصبح مبللاً، والرؤية تلاشت.
لكن المريض... لا يزال بحاجة إلى التنبيب. لا وقت للتوقف.
بيد واحدة، وبحركة سريعة، مسحتُ وجهي بأي شيء وجدته - ربما قطعة شاش، ربما كُمّ معطفي الأبيض. لم يكن مسحًا كاملاً، لكنه كان كافيًا لأرى... ولو بشكل ضبابي.
نظّفتُ المنظار بسرعة، عدتُ إلى موقعي، وأدخلتُه مرة أخرى في فم المريض.
هذه المرة... نجحت.
رأيتُ الحنجرة، أدخلتُ الأنبوب، نفختُ البالون، وثبّتُ الأنبوب.
تأكدتُ من سلامة التنبيب:
المريض أصبح في أمان... من ناحية مجرى التنفس.
بعد أن استقر المريض، وتأكدتُ أن الفريق يسيطر على الوضع، توجهتُ إلى الحمام للاغتسال.
كنتُ غاضبًا.
لا، ليس من المريض - المسكين لم يكن يعي ما يفعل. لكنني كنت غاضبًا من الموقف، من القدر، من كل شيء.
غاضب من رائحة القيء التي ما زالت عالقة في أنفي وفمي.
غاضب من ملابسي الملطخة.
غاضب من الإحساس باللزوجة على بشرتي.
غاضب من... كل شيء.
كنتُ أمشي بخطوات سريعة، غاضبة، أحاول أن أُنفّس عن غضبي.
ففعلتُ ما يفعله الغاضبون... ركلتُ الأرض.
لكنني... لم أركل الأرض.
ركلتُ حديدة.
"آآآآه!"
ألم حاد، مبرح، يخترق إصبع القدم كالسكين.
سقطتُ على الحائط، أمسكتُ قدمي، وشعرتُ بأن إصبعي انكسر، أو على الأقل تهشّم.
الألم كان أشد من ألم القيء في وجهي. كان ألمًا جسديًا صريحًا، يصرخ في كل خلية من جسدي.
وقفتُ هناك، في الممر، ممسكًا بقدمي، ملطخًا بالقيء، ألمي يتصاعد، وعقلي في حالة صراع داخلي:
هل أغضب أكثر؟
لكن... على من؟ على نفسي؟ على الحديدة؟ على القدر؟
هل أبكي؟
لكن... هل هذا وقت البكاء؟ أنا طبيب، رجل، محترف... لا يجب أن أبكي!
هل أجري؟
إلى أين؟ أنا بحاجة للاغتسال، وإصبعي يؤلمني، وأنا واقف في ممر المستشفى كالأحمق!
فلا درى ماذا أفعل.
جلستُ على الأرض... وأصدرتُ ضحكة هستيرية.
ضحكة ممزوجة بالألم، بالإحباط، بالسخرية من الموقف.
بعد أن اغتسلتُ، وغيّرتُ ملابسي، وفحصتُ إصبعي (لم يكن مكسورًا، لحسن الحظي، لكنه كان متورمًا ومؤلمًا)، جلستُ وحدي في غرفة الاستراحة.
وفكّرتُ... لماذا نفعل هذا؟
لماذا نتحمّل القيء في وجوهنا؟
لماذا نركض لإنقاذ أرواح أناس لا نعرفهم؟
لماذا نُعرّض أنفسنا للخطر، للإهانة، للألم؟
لماذا؟
ثم تذكرتُ قول الله تعالى:
ذلك المريض الذي تقيأ في وجهي... عاد قلبه للنبض.
ذلك المريض الذي لم أكن أعرفه... نجا من الموت.
ذلك الإنسان الذي لم يشكرني (ولم يكن واعيًا ليشكرني)... عاد إلى أهله.
في تلك اللحظة، أدركتُ أن الطب ليس مجرد مهنة، بل هو رسالة.
رسالة تتطلب منك أن تُعطي من نفسك، من كرامتك أحيانًا، من راحتك، من وقتك، من صحتك.
رسالة لا تُقاس بالمال، ولا بالشكر، ولا بالتقدير.
رسالة تُقاس بـحياة أُنقذت، بـعائلة لم تفقد أباها، بـطفل لم يصبح يتيمًا.
تحية إلى كل طبيب، ممرض، فني، عامل في المجال الصحي:
تحية إلى من يبتغي بعمله وجه الله، لا وجه المال.
تحية إلى من يُعامل المريض كأخيه، لا كزبون.
تحية إلى من يُقدّم أفضل ما عنده للفقير والغني على حد سواء.
نعم، لحظات في التخدير قد تكون صعبة.
بل قد تكون مُذلّة، مُحرجة، مؤلمة.
قد تُغطّى بالقيء، قد تُهان، قد تتألم.
لكن... أجرك عظيم.
﴿مَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا﴾
وهذا يكفي.
إلى كل طبيب شاب:
لا تجعل المال هدفك الوحيد.
نعم، لك حق في عيش كريم، في راتب عادل، في احترام مجتمعي. لكن لا تبع ضميرك.
لا تُميّز بين مريض غني ومريض فقير.
لا تُهمل مريضًا لأنه لا يملك المال.
لا تجعل العيادة الخاصة تُنسيك رسالتك الإنسانية.
اجعل عملك عبادة، واجعل نيتك خالصة لله، وسترى البركة في حياتك ورزقك.
كانت مناوبة ليلية عادية، أو هكذا بدت. كنتُ قد تخرجتُ حديثًا، لا تزال الثقة تتصارع مع القلق في داخلي، لكنني كنتُ مستعدًا، أو هكذا ظننت.
دخل إلى غرفة العمليات طفل جميل، عيناه زرقاوان كالسماء الصافية، ابتسامته بريئة، لا يعي أن جسده الصغير على موعد مع معركة حياة أو موت.
كان وحيد أبويه.
جاءهم بعد سنوات من المعاناة، بعد محاولات التلقيح الاصطناعي، بعد الدموع والدعوات. كان حلمهم الذي تحقق، فلذة كبدهم التي لا يملكون سواها.
الحالة؟ زائدة دودية (Appendicitis) - عملية روتينية، بسيطة، آمنة في معظم الأحيان.
تحدثتُ مع الوالدين قبل العملية. رأيتُ القلق في عيونهم، لكنني طمأنتُهم:
ودخل الطفل إلى غرفة العمليات... مبتسمًا.
تلك الابتسامة... لن أنساها أبدًا.
بدأتُ التخدير بكل ثقة:
ممتاز! كل شيء يسير بسلاسة.
ثبّتُ الأنبوب، بدأتُ التهوية، وأعطيتُ الإشارة للجرّاح بالبدء.
نظرتُ إلى الشاشة... نبضات القلب ترتفع بسرعة مرعبة:
ضغطتُ على بالون التهوية (Ambu Bag)... مقاومة شديدة!
كأنني أحاول ضخ الهواء في جدار خرساني. الهواء لا يدخل، الرئتان لا تتمددان.
SpO2 (تشبع الأكسجين في الدم) بدأ يتهاوى:
الطفل يختنق.
عدتُ بسرعة للتأكد من الأنبوب:
الأنبوب في مكانه... إذن المشكلة ليست من الأنبوب.
ثم... العلامة الأخطر:
نبضات القلب بدأت تتباطأ:
هذا هو النذير الأسوأ في التخدير.
تسرع القلب ← ثم بطء القلب = علامة احتضار.
القلب يحاول أن يُعوّض نقص الأكسجين بضخ أسرع، لكن حين يفشل، يستسلم... ويتباطأ... ويتوقف.
عقلي يعمل بسرعة فائقة:
Anaphylaxis - الصدمة التحسسية التآقية.
أسوأ كابوس لطبيب التخدير.
رد فعل تحسسي حاد، مفاجئ، قاتل، يحدث خلال ثوانٍ إلى دقائق بعد التعرض لمادة مُحسّسة.
في هذه الحالة، المُحسّس المحتمل كان:
الأعراض الكلاسيكية:
في تلك اللحظة، مرّت في ذهني ابتسامة الطفل، عيونه الزرقاء، قصة أبويه وكيف جاءهم بعد معاناة.
لا... لن يموت هذا الطفل. لن أدعه يموت.
لم يكن هناك وقت للتفكير، للتردد، للاستشارة.
قراري يجب أن يكون حاسمًا وسريعًا.
صرختُ:
أعطيتُ الأدرينالين (Epinephrine/Adrenaline) في الوريد مباشرة، بجرعة محسوبة:
10 ميكروغرام لكل كيلوغرام (0.01 mg/kg)
ليس تحت الجلد... بل في الوريد مباشرة.
لأن في الصدمة التحسسية تحت التخدير، الطفل لا يملك وقتًا. الحقن تحت الجلد يستغرق دقائق ليصل إلى الدورة الدموية الجهازية... والطفل سيموت قبل ذلك.
ثوانٍ بدت كدهور.
أراقب الشاشة... 40 نبضة... 40... 40...
ثم... 50... 60... 70... 80...
القلب بدأ يستجيب!
لكن المشكلة الثانية لا تزال قائمة: التشنج القصبي (Bronchospasm) - القصبات الهوائية منقبضة، لا تسمح بدخول الهواء.
التفتُّ إلى نجيب الذبحاني - - وصرختُ:
Combivent - بخاخ موسع للقصبات، يحتوي على:
لكن... كانت هناك مشكلة تقنية:
كيف نوصل البخاخ مع جهاز التخدير؟
البخاخ مصمم للاستخدام ، وليس للتوصيل المباشر مع دائرة التخدير.
لم يكن هناك وقت للتفكير في الحلول "الرسمية".
اخترعنا طريقة:
وصلنا البخاخ مع أسطوانة أكسجين، ثم ربطناها بـدائرة التنفس في جهاز التخدير.
طريقة غير تقليدية، لكنها نجحت.
بدأ الدواء يدخل إلى رئتي الطفل... وبدأ التشنج القصبي يفتك... رويدًا رويدًا.
بدأتُ أتنفس الصعداء. حرفيًا... أنا والطفل معًا.
بينما كنتُ أُعالج الحالة، اتصلتُ بـالدكتور عمار أبو الصبح - الاستشاري المناوب، الذي كان أستاذًا لي في الأردن وفي اليمن، تعلّمتُ منه الكثير.
أخبرته بالحالة بسرعة:
قال بهدوء:
وصل بسرعة... لكن الطفل كان قد تحسّن.
نظر إلى الشاشة، إلى الطفل، إليّ، وقال:
استأنفنا العملية. أُجريت استئصال الزائدة الدودية بنجاح.
خرج الطفل من غرفة العمليات... حيًا.
لكن صدره كان متعبًا قليلاً - أثر التشنج القصبي والصدمة التحسسية. احتاج إلى عناية مركزة لفترة وجيزة، لكنه تعافى تمامًا بعدها.
خرجتُ لألتقي الوالدين. كانا ينتظران بقلق شديد.
قلتُ لهم:
بكت الأم، وعانق الأب كتفي، وقال بصوت مختنق:
1. الأنافلاكسيس = أسوأ كوابيسك كطبيب تخدير
لا تتأنَّ فيها. كل ثانية تأخير = خطر موت.
2. كن دائمًا في حالة استعداد
شغّل إنذارات الاستعداد الذهنية:
3. بروتوكول علاج الأنافلاكسيس:
أ. أوقف المادة المُحسّسة فورًا
ب. اطلب المساعدة فورًا
ج. أعطِ الأدرينالين في الوريد - ليس تحت الجلد!
هذا هو الخطأ القاتل الذي يرتكبه البعض:
لماذا؟
لأن المريض تحت التخدير في حالة صدمة، الدورة الدموية متأثرة، الحقن تحت الجلد لن يصل للدورة الجهازية بسرعة كافية... والمريض سيموت قبل أن يصل.
الجرعة:
د. علاج التشنج القصبي
هـ. دعم الدورة الدموية
و. مضادات الهيستامين والكورتيزون
4. كن هادئًا، ثابتًا، واثقًا في الله
الفزع يقتل المريض قبل الصدمة.
طبّق الوسائل ببساطة كما تعلّمتها:
5. لا تخجل من طلب المساعدة
حتى لو كنت قد تعاملت مع الحالة... اتصل بالاستشاري.
عيون زرقاء... كادت أن تُغلق إلى الأبد.
ابتسامة بريئة... كادت أن تكون الأخيرة.
حلم أبوين... كاد أن يتحطم.
لكن... بفضل الله، ثم بالقرار الحاسم، والبروتوكول الصحيح، والعمل الجماعي...
عاش الطفل.
الأنافلاكسيس ليست "إذا حدثت"... بل "عندما تحدث".
كن مستعدًا:
حياة مريضك تعتمد على ثوانٍ... لا تُضيّعها.
الدكتور عبدالله السوداني كان من أهدأ الأطباء الذين قابلتهم في حياتي.
رجل ذو خبرة كبيرة في التخدير، عمل لسنوات طويلة، مرّ بمئات، بل آلاف الحالات الصعبة. كان يتعامل مع أعقد المواقف بهدوء مُحترف، وكأنه يشرب الشاي في صباح هادئ.
لكن... الخبرة ليست كل شيء.
في بعض الأحيان، تحتاج إلى شيء أقوى من الخبرة، شيء أصعب من المهارة التقنية.
تحتاج إلى الشجاعة.
جاء طفل صغير إلى غرفة العمليات، يعاني من جسم غريب في القصبات الهوائية (Foreign Body in Bronchus) - ربما حبة فول سوداني، أو قطعة لعبة صغيرة، ابتلعها الطفل ودخلت إلى رئته بدلاً من معدته.
الحل : منظار القصبات (Rigid Bronchoscopy) - إجراء دقيق، يتطلب خبرة جراحية عالية.
الجراح المناوب كان استشاري جراحة صدر ، لقب كبير، مكانة مرموقة... لكن خبرته في مناظير القصبات لم تكن كبيرة.
دخل الجراح بالمنظار... لكنه لم يكن سريعًا، لم يكن دقيقًا.
بدأ يناور... يدور بالمنظار يمينًا ويسارًا، يحاول أن يجد الجسم الغريب، يدفع، يسحب، يُحرّك.
وفي كل مناورة، كان يحرّض منطقة الكارينا (Carina) - تلك المنطقة الحساسة جدًا حيث تتفرع القصبة الهوائية (Trachea) إلى قصبة يمنى ويسرى.
الكارينا منطقة شديدة الحساسية:
الدكتور عبدالله، بخبرته الواسعة، بدأ يُعالج المضاعفات:
لكن... الأكسجين لا يتحسن.
SpO2 يبقى منخفضًا، الطفل يُكافح من أجل التنفس، والجراح... لا يزال يناور.
ظنّ الدكتور عبدالله في البداية أن المشكلة من الجسم الغريب نفسه، لكنه أدرك تدريجيًا أن المشكلة الحقيقية هي المحاولات والمناورات المفرطة.
لكنه... لم يستطع أن يوقف الجراح.
استحى أن يقول لاستشاري جراحة صدر : "توقف... أنت تؤذي المريض".
انتهى الإجراء... لكن الطفل لم ينته من المعاناة.
احتاج إلى عناية مركزة، قعد الدكتور عبدالله معه حتى وقت متأخر من الليل، يُعالج الوذمة، يُعالج التشنج، يحارب من أجل إبقاء الطفل على قيد الحياة.
نجا الطفل... لكن بثمن باهظ.
بعد ثلاثة أيام، جاءت حالة أخرى:
الكابوس على وشك أن يتكرر.
الدكتور عبدالله، الرجل الهادئ الذي نادرًا ما يستدعيني، اتصل بي - وأنا الاستشاري المناوب.
صوته كان مختلفًا هذه المرة. لم يكن هادئًا كالعادة، بل كان فيه توتر، قلق، استنجاد:
فهمتُ على الفور. التاريخ على وشك أن يُعيد نفسه.
أتيتُ بسرعة. نظرتُ إلى الحالة:
لن أدع الكابوس يتكرر.
توجهتُ مباشرة إلى استشاري جراحة الصدر، نظرتُ في عينيه، وقلتُ بحزم:
نظر إليّ مستغربًا. لكنني واصلتُ:
"الشروط:
ساد صمت ثقيل في الغرفة.
الجراح نظر إليّ... لم يتوقع هذه المواجهة.
لكنه... أدرك أنني جاد.
أدرك أنني لن أتراجع، وأنني مستعد أن أُلغي العملية إذا لم يوافق.
فقال:
خدّرتُ الطفل، وراقبتُ الجراح عن كثب.
هذه المرة... كان مختلفًا.
دخل بسرعة، بدقة، بتركيز.
وجد الجسم الغريب.
أزاله و انسحب بسرعة.
كل شيء استغرق أقل من عشر دقائق.
لا مناورات مفرطة. لا تحريض للكارينا. لا تشنج. لا وذمة.
خرج الطفل من غرفة العمليات... بدون مضاعفات.
استيقظ بسلام، تنفّس بشكل طبيعي، وذهب إلى بيته في نفس اليوم.
1. الخبرة ليست كل شيء
الدكتور عبدالله كانت خبرته أفضل بكثير من خبرتي. لكنه استحى أن يوقف الجراح.
لكنني أدركتُ أن الدفاع عن المريض أهم من الحفاظ على العلاقات المهنية.
2. اعرف متى تقول "لا"
التخدير ليس خدمة تُطلب، بل شراكة طبية.
أنت لست "مقدم خدمة" للجرّاح، بل أنت "شريك" في علاج المريض.
إذا رأيت أن الجراح:
من حقك - بل من واجبك - أن تقف وتقول:
3. المواجهة ليست وقاحة... بل مسؤولية
مسؤوليتي الأولى هي المريض، ليس راحة الجراح.
مسؤوليتي الأولى هي سلامة الطفل، ليس الحفاظ على مشاعر الاستشاري.
4. ضع شروطًا واضحة قبل البدء
في الحالات الخطيرة أو مع الجراحين عديمي الخبرة في إجراء معين:
ضع شروطًا واضحة قبل التخدير:
إذا لم تحصل على إجابات مُرضية... لا تبدأ التخدير.
5- الدفاع عن المريض حتى لو كان الجراح "كبير وعظيم"
لا يهم إذا كان الجراح:
إذا كان يُعرّض المريض للخطر... يجب أن توقفه.
المريض لا يعرف ألقاب الأطباء. المريض يثق فينا جميعًا.
الخبرة مهمة... لكن الشجاعة أهم.
المهارة التقنية ضرورية... لكن الدفاع عن المريض واجب.
الحفاظ على العلاقات المهنية جيد... لكن إنقاذ حياة المريض أولى.
أنت محامي المريض على طاولة العمليات.
المريض نائم، لا يستطيع أن يدافع عن نفسه.
أنت صوته، أنت حاميه، أنت خط الدفاع الأخير.
لا تستحِ أن تقف في وجه أي جراح - مهما كان كبيرًا - إذا رأيت أنه يُعرّض المريض للخطر.
قل "لا" حين يجب أن تقول "لا".
ضع شروطًا حين يجب أن تضع شروطًا.
أوقف العملية حين يجب أن توقفها.
الخبرة ليست كل شيء... الشجاعة هي ما تُنقذ الأرواح.
كانت مناوبة عادية في العناية القلبية، أو هكذا بدت. مرضى القلب يحتاجون إلى مراقبة دقيقة، وأي ثانية قد تكون فاصلة بين الحياة والموت.
فجأة... صاح الممرض بصوت عالٍ:
Ventricular Fibrillation - رجفان بطيني!
أخطر أنواع اضطرابات نظم القلب. القلب يرتجف بشكل عشوائي، لا يضخ الدم، المريض يموت في دقائق إذا لم نتدخل فورًا.
لم يكن هناك وقت للتفكير. ركضتُ بسرعة خاطفة:
BOOM!
انطلقت الصدمة الكهربائية عبر صدر المريض. جسده ارتجف، قفز قليلاً على السرير من قوة الصدمة.
نظرتُ إلى الشاشة...
نظم جيبي طبيعي! (Sinus Rhythm)
عاد النبض!
من الضربة الأولى!
شعرتُ بموجة من الارتياح. أنقذتُ حياة إنسان في ثوانٍ!
هذه هي اللحظات التي نعيش من أجلها كأطباء. اللحظات التي تُشعرك بأن كل التعب، كل السهر، كل المعاناة... تستحق.
لكن...
فجأة... فتح المريض عينيه.
نظر إليّ بعينين غاضبتين، مليئتين بالألم.
ثم... صرخ بأعلى صوته:
سبّني بأقذع الألفاظ!
سباب لم أسمعه في حياتي، تعابير لم أكن أعرف أنها موجودة، شتائم بإبداع لغوي مُدهش!
تراجعتُ إلى الوراء، مصدومًا، غير مصدق ما أسمعه.
الرجل الذي كان قبل ثوانٍ على حافة الموت، يسبّني الآن وكأنني أسوأ شخص في الكون!
نظرتُ إلى الممرضات... كانوا يكتمون ضحكاتهم.
نظرتُ إلى الممرض... كان يعض على شفتيه ليمنع نفسه من الضحك.
ونظرتُ إلى المريض... لا يزال يشتم ويصرخ من الألم.
ولم أستطع أن أمنع نفسي...
انفجرتُ من الضحك!
تخيّل أنك تتلقى 200 جول من الكهرباء عبر صدرك. كل عضلة في جسدك تنقبض دفعة واحدة، كأنك تتلقى لكمة كهربائية عملاقة في الصدر.
إذا كان المريض واعيًا ، أو إذا استيقظ مباشرة بعد الصدمة... الألم يكون لا يُطاق.
ولأن المريض لا يفهم ما حدث، لا يعلم أنه كان ميتًا قبل ثوانٍ، كل ما يعرفه هو:
بعد أن هدأ المريض قليلاً، اقتربتُ منه وشرحتُ له:
نظر إليّ بعينين لا تزالان غاضبتين، لكن مع بعض الارتباك:
صمت المريض... بدأ يستوعب.
ثم قال بصوت خافت:
ابتسمتُ:
هذه القصة، رغم كونها مضحكة، تحمل دروسًا مهمة:
1. الإنعاش القلبي ليس لطيفًا
الصدمة الكهربائية، ضغط الصدر، التنبيب... كلها إجراءات عنيفة ومؤلمة.
لكنها تُنقذ الأرواح.
المريض قد لا يشكرك في اللحظة الأولى، بل قد يسبّك... لكن لاحقًا، حين يفهم أنك أنقذت حياته، سيكون ممتنًا.
2. لا تأخذ ردود أفعال المرضى على محمل شخصي
المريض الذي يصرخ، يسبّ، يضرب، يبصق... غالبًا لا يعي ما يفعل.
قد يكون في حالة هذيان، ألم شديد، خوف، أو صدمة.
لا تأخذ الأمر شخصيًا. أنت تُنقذ حياته، حتى لو لم يُدرك ذلك في اللحظة.
4. التواصل بعد الإنعاش مهم
بعد أي إنعاش قلبي، من المهم أن تشرح للمريض (إذا كان واعيًا) ماذا حدث، لماذا فعلت ما فعلت، ولماذا شعر بهذا الألم.
الفهم يُخفف من الغضب.
ستُواجه مواقف مشابهة في مسيرتك:
لا تيأس. لا تغضب. لا تأخذ الأمر شخصيًا.
أنت تُنقذ أرواحًا... وهذا يكفي.
حتى لو لم يشكرك أحد... الله يرى.
أحيانًا، أفضل شكر تسمعه... هو سباب من شخص كان ميتًا قبل ثوانٍ!
في الطب، هناك قاعدة غير مكتوبة لكنها متعارف عليها بين الأطباء والعاملين في المجال الصحي:
"لا تُعالج أقاربك من الدرجة الأولى"
لماذا؟
لأن المشاعر تتدخل، الموضوعية تختفي، القرارات تصبح مشوشة.
لكن الحياة... لا تحترم دائمًا القواعد.
كان منظارًا هضميًا روتينيًا (Gastroscopy) لوالدي.
شكوى بسيطة، أعراض قد تكون عادية، قررنا عمل منظار للاطمئنان.
دخل والدي إلى غرفة المنظار... مبتسمًا، واثقًا، مطمئنًا.
وأنا... خدّرته، راقبته، انتظرت نتيجة المنظار بقلب مطمئن.
ثم... جاءت الصدمة.
ورم في المعدة (Gastric Tumor).
ليس التهابًا، ليس قرحة، ليس ارتجاعًا... ورم.
أخذنا عينة (Biopsy)، وانتظرنا نتيجة التحليل المرضي.
الأيام كانت أطول من السنوات. كل دقيقة كانت كدهر.
ثم... جاءت النتيجة:
Carcinoid Tumor - ورم سرطاوي.
نوع نادر من الأورام، ليس الأشرس، لكنه خبيث.
لم أُضيّع الوقت. تحركتُ بسرعة:
ثم... جاءت النتيجة المُريحة:
الورم لم ينتشر (حسب الصور)
شعرتُ بشعاع أمل. لا يزال هناك فرصة. الاستئصال الجراحي ممكن.
لكنني... لم أُخبر والدي.
لم أقل له: "عندك ورم في المعدة".
بل قلت له: "قرحة... قرحة مزعجة، لكنها قابلة للعلاج".
كذبتُ عليه لأنني أعرف والدي.
أعرف أن الخبر سيُحطّمه، أن معنوياته ستنهار، أن الأمل سيموت قبل الجسد.
أردتُ أن أُبقي الأمل حيًا في عينيه، أن يعيش أيامه القادمة بسلام، دون أن يحمل ثقل "السرطان" على كتفيه.
تكلمتُ مع أفضل الجراحين الذين أعرفهم.
شرحتُ لهم الحالة، أريتهم الصور، ناقشتُ معهم الخطة.
وافقوا: الاستئصال الجراحي ممكن.
حُدّد موعد العملية.
دخلتُ مع والدي إلى غرفة العمليات... وكلي أمل.
خدّرتُ والدي بيدي. رأيتُ عينيه تُغلقان بهدوء، وجسده يسترخي تحت تأثير التخدير.
بدأ الجراح العملية. فتح البطن ... ودخل لاستئصال الورم.
لكن بعد دقائق... توقف.
نظر إليّ... نظرة لم أنسها أبدًا.
نظرة تقول: "آسف".
ثم قال بصوت منخفض:
عُقد صغيرة (Small Nodules)، لم تكن مرئية في التصوير الطبقي المحوري، منتشرة في:
الاستئصال أصبح مستحيلًا.
في تلك اللحظة... لم أكن طبيبًا.
لم أكن طبيب التخدير الهادئ، ولا الاستشاري الخبير.
كنتُ فقط... ابنًا.
ابن يرى أباه ممددًا على طاولة العمليات، بطنه مفتوح، وحُكم الموت البطيء مكتوب في أحشائه.
لم أكن مستعدًا لهذا الاحتمال.
خارت عزيمتي. انهارت قوتي.
شعرتُ بأن الأرض تميد تحت قدميّ، وأن الهواء يختنق في صدري.
لم أستطع المواصلة.
ناديتُ زميلي بصوت مختنق:
وغادرتُ غرفة العمليات.
خرجتُ... وجلستُ في الممر.
ووضعتُ رأسي بين يديّ.
وبكيت.
دارت بي الذكريات من الطفولة:
يصعب على المرء أن يرى مكروهًا يمسّ أباه.
يصعب عليك أن تكون طبيبًا حين يكون المريض هو من علّمك معنى الحياة.
بعد العملية، استيقظ والدي.
سألني: "كيف كانت العملية؟"
ابتسمتُ ابتسامة متكلفة، وقلت:
كذبتُ... مرة أخرى.
واستمريت أكذب عليه طيلة سنتين.
سنتان كاملتان، وأنا أُخفي عنه الحقيقة، أُخفي عنه أن الورم ينتشر، أن جسده يُستهلك، أن الموت يقترب.
في تلك الفترة، ذهبنا معًا إلى الحج.
كان ضعيفًا، لكنه كان سعيدًا.
طُفنا معًا حول الكعبة، صلّينا معًا في الحرم، دعونا معًا عند الملتزم.
ولم يعلم... أنها آخر رحلة.
استمر والدي سنتين ينازع الورم.
الورم كان يقتله ببطء، يأكل جسده من الداخل، يسرق منه القوة، الشهية، الحياة.
عملتُ له عمليتين أخريين:
في كل مرة، كنتُ أدخل غرفة العمليات معه... وأخرج منها أكثر تحطمًا.
حتى... انتشر الورم في كل مكان.
لم يعد هناك ما يمكن فعله.
ووافته المنية.
توفاه الله.
رحمك الله يا والدي.
وأدخلك الجنة.
ما زلتُ أدعو لك في كل صلاة:
"اللهم اغفر له وارحمه، وعافه واعف عنه، وأكرم نزله، ووسّع مدخله، واغسله بالماء والثلج والبرد، ونقّه من الخطايا كما يُنقّى الثوب الأبيض من الدنس، وأبدله دارًا خيرًا من داره، وأهلًا خيرًا من أهله، وزوجًا خيرًا من زوجه، وأدخله الجنة، وأعذه من عذاب القبر ومن عذاب النار"
وجميع موتى المسلمين.
1. ليس سهلًا أن تعالج من تحب
القاعدة الطبية صحيحة: لا تُعالج أقاربك من الدرجة الأولى.
ليس لأنك غير كفء، بل لأن المشاعر تُعميك، الموضوعية تختفي، والقرارات تصبح أصعب.
2. الكذبة الرحيمة... هل هي صحيحة؟
كذبتُ على والدي... وما زلتُ لا أعرف إن كان ذلك صحيحًا أم خطأً.
هذا قرار صعب، ولا توجد إجابة واحدة صحيحة. كل حالة تختلف.
3. الطب ليس كل شيء
تعلّمتُ أن الطب، رغم عظمته، محدود.
لا نملك كل الإجابات. لا نستطيع إنقاذ الجميع.
نحن بشر... نفعل ما نستطيع... والباقي على الله.
4. الدعاء للوالدين واجب
﴿رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا﴾ (الإسراء: 24)
الدعاء للوالدين بعد موتهم من أعظم ما يصلهم من الأبناء.
﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِن بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ﴾ ( الحشر: 10
ليس سهلًا أن تُخدّر أباك.
ليس سهلًا أن تراه ينام تحت تأثير التخدير، وأنت تعلم أن الموت يقترب.
ليس سهلًا أن تكون طبيبًا... وابنًا... في نفس الوقت.
لكنني فخور بأنني كنتُ معه حتى النهاية.
فخور بأنني خدّرته، عالجته، رافقته.
فخور بأنني أخفيتُ عنه الحقيقة المُرّة، وأبقيتُ الأمل حيًا في قلبه.