Part I — Foundations of Safety Science in Anesthesia
الجزء الأول — أسس علم السلامة في التخدير

CHAPTER 3 — Human Factors and Ergonomics in Anesthesia Practice

الفصل الثالث — العوامل البشرية وبيئة العمل في ممارسة التخدير

مشهد افتتاحي — عندما يمتلئ العقل

Opening Scene — When the Mind Fills Up

في صباح يوم الثلاثاء، الساعة السابعة والنصف تماماً، وقفتُ في غرفة العمليات الرابعة أُحضّر للحالة الأولى. كانت حالة روتينية — إصلاح فتق إربي لرجل في الخمسينيات من عمره، صحته جيدة، لا تعقيدات متوقعة. النوع الذي تعلّمت أن لا تستخفّ به أبداً، لأن "الروتيني" هو بالضبط حيث يختبئ الخطر.

كنتُ أُحضّر محاقن التخدير بتركيز — Fentanyl في يدي اليمنى، الملصق في اليسرى. لحظة دقيقة، هادئة، مُحسوبة. ثم جاء الصوت الأول: "دكتور، المريض القادم لم يُوقّع الموافقة بعد، هل يمكنك...؟" لم أنته من الإجابة حتى رنّ هاتفي — رسالة عاجلة من قسم الطوارئ عن حالة قلب مفتوح قادمة. وقبل أن أُغلق الرسالة، صفّر إنذار ضغط الدم على الشاشة أمامي — للمرة الثالثة في دقيقتين، رغم أن القراءة طبيعية تماماً.

ثم دخل الجرّاح: "هل جاهزون؟ عندي ثلاث حالات بعد هذه."

عدتُ بنظري إلى يدي. كانت المحقنة لا تزال هناك. لكن للحظة — لثانية واحدة فقط — لم أكن متأكداً: هل هذه Fentanyl، أم Rocuronium؟ هل وضعت الملصق، أم لا؟

توقفتُ. تنفّستُ. نظرتُ مرة أخرى. كان Fentanyl، وكان الملصق في مكانه. لم يحدث خطأ. لكن اللحظة نفسها — لحظة التردد — كانت كافية لتُذكّرني بحقيقة قاسية تعلّمتها عبر أكثر من عقدين في هذه المهنة:

الخطأ لا يبدأ عندما تضغط المحقنة. الخطأ يبدأ قبل ذلك بدقيقة — في تلك اللحظة التي يمتلئ فيها العقل، وتتشتت النية، وتُقطع السلسلة.

هذا ليس خطأً شخصياً. هذا تصميم سيئ يُصادف قدرات بشرية محدودة. وهذا الفصل — هذا الفصل بالذات — يشرح لماذا تحدث مثل هذه اللحظات، وكيف نُعيد تصميم الأنظمة لكي لا تحدث أبداً.

***

Chapter aims (what you will be able to do after this chapter)

أهداف الفصل — ما الذي ستستطيع فعله بعد أن تنتهي من هذا الفصل

في بداياتي، كنتُ أظن أن "التركيز الشديد" و"اليقظة الدائمة" كافيان لصناعة الأمان. كنتُ أعتقد أن الطبيب الجيد هو الذي "لا يُخطئ أبداً"، وأن أي زلّة هي علامة ضعف أو إهمال. ثم مرّت السنوات. رأيتُ زملاء أذكياء، مُدرّبين تدريباً ممتازاً، يقعون في أخطاء لم تكن بسبب جهل أو لامبالاة — بل بسبب مقاطعة في اللحظة الخاطئة، أو شاشة في الزاوية الخاطئة، أو إنذار كاذب للمرة المئة.

يومها فهمتُ: أنا لا أحتاج أن أكون إنساناً خارقاً. أحتاج أن يكون النظام رحيماً بحدود البشر.

هذا الفصل يُعلّمك كيف تجعل العمل آمناً حتى في أسوأ يوم — عندما يكون الحمل عالياً، والوقت ضيقاً، والتعب ثقيلاً.

بنهاية هذا الفصل، يجب أن تكون قادراً على:

  1. Explain how human performance limits (attention, memory, stress, fatigue) shape anesthesia safety.
    شرح كيف تُشكّل حدود الأداء البشري — الانتباه، الذاكرة، الضغط، الإرهاق — سلامة التخدير في الواقع اليومي.
  2. Identify common human factors hazards in anesthesia: interruptions, cognitive overload, noise, poor layout, and device usability issues.
    تحديد أخطار العوامل البشرية الشائعة في التخدير: المقاطعات، فرط الحمل الذهني، الضوضاء، سوء توزيع المكان، ومشاكل قابلية استخدام الأجهزة.
  3. Define alarm fatigue, explain why it happens, and apply practical controls to reduce alarm-related harm and missed signals.
    تعريف إجهاد الإنذارات (Alarm fatigue)، شرح لماذا يحدث، وتطبيق ضوابط عملية لتقليل الضرر المرتبط بالإنذارات أو تفويت الإشارات المهمة.
  4. Apply ergonomics to medication preparation, line management, monitoring, and workspace setup.
    تطبيق الإرجونوميكس (هندسة بيئة العمل) على تحضير الأدوية، إدارة الخطوط، المراقبة، وتجهيز مساحة العمل.
  5. Redesign a workflow step-by-step to reduce risk and increase reliability in the OR and NORA locations.
    إعادة تصميم مسار عمل خطوة بخطوة لتقليل المخاطر وزيادة الموثوقية في غرفة العمليات وأماكن التخدير خارجها (NORA).

Key terms (quick definitions)

مصطلحات أساسية — تعريفات سريعة

قبل أن نبدأ، دعني أُعرّف المصطلحات الأساسية التي سنستخدمها طوال هذا الفصل. هذه ليست تعريفات أكاديمية جافة — بل تعريفات بُنيت من سنوات من العمل في غرف العمليات، ومن أخطاء رأيتها، ومن حلول جرّبتها:

***

3.1 Why human factors is a “core safety skill” in anesthesia

3.1 لماذا العوامل البشرية مهارة سلامة “أساسية” في التخدير

في حالات كثيرة، لا تكون المشكلة في الدواء أو الجرعة أو المعرفة — بل في اللحظة التي سبقت الدواء بدقيقة. لحظة مقاطعة. لحظة بحث عن قطعة مفقودة. لحظة قراءة رقم على شاشة بعيدة. لحظة إنذار لا يتوقف. أحياناً أنظر بعد الحدث — بعد خطأ أو شبه خطأ — فأرى أن الخطأ كان متوقعاً لو أننا رأينا البيئة كما هي: بيئة تُعادي الكمال البشري.

ومن هنا بدأتُ أتعامل مع التخدير كمنظومة متكاملة: إنسان + مهمة + جهاز + فريق + مكان. لا يمكنك أن تُحسّن واحداً فقط وتتوقع السلامة. يجب أن تُحسّن التفاعل بينهم جميعاً.

يُقدّم التخدير — في معظم الأوقات — في ظروف تُعادي الأداء البشري المثالي. هناك ضغط وقت: الجرّاح ينتظر، والجدول مزدحم. هناك انتقالات فيزيولوجية سريعة: من اليقظة إلى اللاوعي في ثوانٍ، من التنفس التلقائي إلى التنفس الآلي، من ضغط طبيعي إلى هبوط حاد. هناك أجهزة متعددة: مراقبة، مضخات، منفّسة، شاشات، أنابيب، خطوط. هناك طلبات متنافسة: الجرّاح يريد شيئاً، الممرضة تسأل عن شيء، المنسّق يُرسل رسالة، والمريض التالي ينتظر. وهناك مقاطعات — مقاطعات متكررة، من كل اتجاه.

في هذه البيئة، السؤال الواقعي ليس: "كيف نجعل الطبيب معصوماً؟" السؤال الواقعي هو: "كيف نجعل الفعل الصحيح سهلاً، والخطأ صعباً، والاسترداد سريعاً عندما يحدث الانحراف؟"

هذا — هذا بالضبط — هو ما تقدّمه العوامل البشرية (Human Factors). إنها تنظر للسلامة ليس كخاصية في الفرد وحده، بل كخاصية في النظام الاجتماعي-التقني (Sociotechnical system) بأكمله: الناس + المهام + الأدوات + البيئة + التنظيم.

وفي التخدير، أغلب الإخفاقات التي رأيتها عبر السنين لم تكن فشل معرفة — بل فشل أداء تحت الحمل: انتباه يتشتت، ذاكرة تُقاطع، تنسيق فريق يتأخر، أو جهاز لا "يشرح نفسه" في لحظة ضغط.

3.1.1 A useful model: performance is shaped by conditions

3.1.1 نموذج مفيد: الأداء يتشكّل بالظروف

رأيتُ الطبيب نفسه — نفس الشخص بالضبط — يؤدي بأداءٍ مذهل في صباحٍ هادئ، واضح الذهن، بعد ليلة نوم جيدة، في غرفة عمليات مرتبة، مع فريق يعرفه جيداً. ثم رأيته في مساءٍ آخر — منهك، بعد اثنتي عشرة ساعة عمل متواصل، في غرفة جديدة، مع جهاز مختلف، وفريق لا يعرفه، وثلاث مقاطعات في عشر دقائق — ويرتبك.

هذا لا يعني أنه "تغيّر" أو "صار أقل كفاءة" كطبيب. بل يعني شيئاً أبسط وأعمق: الظروف تغيّرت. نوم أقل، مقاطعات أكثر، ضوضاء أعلى، جهاز غير مألوف، فريق جديد.

العوامل البشرية تقول ببساطة: لا تحاكم الإنسان وحده. راقب الظروف التي تُشكّل أداءه.

قدرة الطبيب — أو الممرضة، أو أي مُقدّم رعاية — حقيقية. لكنها متغيرة تبعاً للظروف. وفي محيط الجراحة والتخدير، عوامل تشكيل الأداء (Performance Shaping Factors - PSFs) تشمل:

المعنى السريري — وهذا ما تعلّمته من سنوات طويلة:

إذا أردت تخديراً أكثر أماناً، لا يكفي أن تقول: "درّبوا الأفراد أكثر." بل يجب أن تُحسّن الظروف التي تعمل فيها تلك العقول والأيدي. لأن أفضل طبيب في العالم، في ظروف سيئة، سيُخطئ. وطبيب متوسط، في نظام جيد التصميم، سيكون آمناً.

3.1.2 The safety goal in human factors terms

3.1.2 هدف السلامة بلغة العوامل البشرية

عندما أرى نظاماً جيداً — نظام عمل مُصمّم بذكاء — أشعر أنه "يحرس" المريض معي. الملصقات واضحة، لا التباس. الترتيب ثابت، لا أضيع وقتاً في البحث. الإنذارات معقولة، ليست ضجيجاً. أدوات الإنقاذ في مكان لا يحتاج تفكيراً — أمدّ يدي فأجدها.

وحين أرى نظاماً ضعيفاً — فوضوياً، غير موحّد، مليء بالمقاطعات والضوضاء — أشعر أنني أحرس المريض وحدي ضد الفوضى.

الهدف ليس بطولة الفرد. الهدف هو قوة المنظومة.

العوامل البشرية تهدف لبناء أنظمة تفعل ثلاثة أشياء:

  1. Prevent predictable errors — تمنع الأخطاء المتوقعة:
    معظم الأخطاء ليست "مفاجأة". إنها متوقعة إذا نظرت للتصميم. محقنتان متشابهتان موضوعتان جنباً إلى جنب؟ سيحدث خلط. إنذار يصفّر خمسين مرة في الساعة معظمها كاذب؟ سيُتجاهل. خط غير مُلصّق؟ سيُخلط. النظام الجيد يمنع هذه الأخطاء فيزيائياً أو تصميمياً — لا يعتمد على "كن حذراً".
  2. Detect deviations early — تكشف الانحراف مبكراً:
    حتى في أفضل نظام، ستحدث انحرافات صغيرة. النظام الجيد لا ينتظر حتى يصبح الانحراف كارثة. بل يكشفه مبكراً: تحقق مزدوج، إنذار ذكي، تذكير في الوقت المناسب، زميل ينتبه.
  3. Support rapid recovery — تدعم استرداداً سريعاً عندما تفشل الوقاية:
    لن تمنع كل خطأ. لكن يمكنك أن تجعل الاسترداد سريعاً. أدوات إنقاذ في متناول اليد. بروتوكول واضح. فريق مُدرّب. قيادة حاسمة. هذا يُحوّل "خطأ صغير" من كارثة إلى حدث يمكن إدارته.

هذا التحول — من "لوم بعد الحدث" إلى "تصميم قبل الحدث" — هو جوهر العوامل البشرية.

***

3.2 Human performance basics for anesthesia: attention, memory, and stress

3.2 أساسيات الأداء البشري في التخدير: الانتباه، الذاكرة، والضغط

أحياناً أتذكر لحظة بسيطة حدثت قبل سنوات. كنت أنوي إعادة قياس الضغط بعد إعطاء بلعة دواء — نية واضحة، خطة محددة. ثم رنّ الهاتف. ثم ناداني الجرّاح. ثم صفّر جهاز المراقبة. عدتُ بعد دقيقة واحدة — دقيقة واحدة فقط — وتذكرتُ فجأة: "النية" ضاعت في زحمة المقاطعة. لم أُعد قياس الضغط. نسيت. ليس لأنني لا أهتم. بل لأن الدماغ البشري يعمل هكذا.

هذه ليست سذاجة. وليست إهمالاً. إنها طبيعة الذاكرة العاملة (Working Memory) تحت الحمل والمقاطعة. والسلامة تبدأ عندما نعترف بهذه الطبيعة — ونُصمّم حولها.

3.2.1 Attention is limited; multitasking is not free

3.2.1 الانتباه محدود؛ وتعدد المهام ليس مجانياً

التخدير يتطلب مراقبة مستمرة وتبديل مهام متكرر. في دقيقة واحدة، قد تفعل هذا:

كل تبديل من مهمة لأخرى له كلفة معرفية (Cognitive cost). الدماغ لا "يُوقف" المهمة الأولى ثم "يُشغّل" الثانية كالكمبيوتر. بل يحتاج وقتاً — ولو ثوانٍ — لـ "إعادة بناء السياق الذهني" للمهمة الجديدة. وعندما تتراكم التبديلات، يصبح النظام هشّاً.

المقاطعات ليست "تفاصيل صغيرة". إنها تستهلك موارد عقلية محدودة. التعامل مع سيل من المقاطعات يحتاج:

النتيجة العملية — وهذا ما رأيته مراراً: كلما زادت المقاطعات، احتجتُ لجهد عقلي إضافي فقط للحفاظ على السيطرة الأساسية. وهذا الجهد يُسرق من الجهد المطلوب لـالتفكير السريري العميق. تصبح "تُدير المقاطعات" أكثر مما "تُدير المريض".

3.2.2 Stress and the tipping point

3.2.2 الضغط ونقطة الانقلاب

في بدايات أي أزمة — انخفاض ضغط مفاجئ، صعوبة تنبيب، نزيف غير متوقع — قد تعمل بسرعة مذهلة. الأدرينالين يرتفع. التركيز يزداد. تُنفّذ، تُقرر، تتحرك. وللحظة، قد تشعر أنك في أفضل حالاتك.

ثم — فجأة، وكأن مفتاحاً انطفأ — يتشوّش المشهد. "ماذا بعد؟ أين الأداة؟ من ينادي من؟ ما الخطوة التالية؟" العقل يبدأ يتباطأ. القرارات تصبح أصعب. قد تُكرر نفس الفعل دون نتيجة، بينما البديل الواضح — لو كنت هادئاً — لا يخطر ببالك.

هذه ليست صدفة. إنها لحظة تشبّع ذهني (Cognitive Saturation) — عندما يتجاوز الضغط قدرة الذاكرة العاملة على المعالجة.

هناك علاقة معروفة بين الضغط والأداء، تُسمى Yerkes-Dodson Law (قانون يركس-دودسون):

قانون يركس-دودسون — العلاقة بين الضغط والأداء

Yerkes-Dodson Law — Stress vs Performance

😴
ضغط منخفض
Low Stress
• أداء بطيء
• ملل
• لا حافز
🎯
ضغط مثالي
Optimal Stress
أداء في الذروة
• يقظة
• تركيز
• أفضل أداء
😰
ضغط زائد
Excessive Stress
• نفق الرؤية
• تفكير جامد
• قرارات متجمدة
مستوى الضغط — Stress Level
الأداء — Performance
الدرس الأساسي — Key Lesson

"الانهيار المفاجئ" للسيطرة الموقفية أثناء الأزمة ليس لغزاً نفسياً
بل هو نتيجة متوقعة لتراكم الحمل والضغط والمقاطعات

"Sudden collapse" of situational control during crisis is not a psychological mystery
but a predictable result of accumulated load, stress, and interruptions

الترجمة السريرية: "الانهيار المفاجئ" للسيطرة الموقفية أثناء أزمة في غرفة العمليات ليس لغزاً نفسياً — إنه نتيجة متوقعة لتراكم الحمل والضغط والمقاطعات. وإذا لم نُجهّز قبل الأزمة — أدوار واضحة، أدوات جاهزة، مساعدات معرفية — سنقع في فوضى يمكن توقعها.

عند الضغط الزائد:

ما الحل؟

لا يمكنك إلغاء الضغط في الأزمات. لكن يمكنك:

  1. التدريب على المحاكاة (Simulation Training): التعرّض المتكرر للأزمات في بيئة آمنة يُقلل الضغط في الأزمات الحقيقية. هذا ما يُسمى Stress Inoculation (تلقيح الضغط) — تدريب الدماغ على أن "هذا الموقف ليس جديداً، أنا أعرف ماذا أفعل."
  2. الدعم المعرفي (Cognitive Aids): قوائم تحقق بصرية في غرفة العمليات، خوارزميات على الحائط، بطاقات إنقاذ — لا تعتمد على الذاكرة وحدها. في لحظة الضغط، العقل قد ينسى. لكن الورقة لا تنسى.
  3. القيادة الواضحة: في الأزمة، عيّن قائداً واحداً يوزّع المهام بصوت عالٍ وواضح: "أنت: احضر الـ Cart. أنت: ابدأ CPR. أنت: احضر الجرّاح." هذا يُقلل الحمل على كل فرد — لأن كل واحد يعرف دوره، ولا يضيع في "من يفعل ماذا؟"

3.2.3 Why memory fails in skilled clinicians

3.2.3 لماذا تفشل الذاكرة عند الأطباء المهرة

كثير من زلات التخدير — وليس الأخطاء الكبيرة، بل الزلات الصغيرة — تحدث عندما ينوي الطبيب فعل شيء، ثم تُزاح النية بمقاطعة.

أمثلة واقعية رأيتها أو سمعت عنها:

هذا يُسمى Prospective Memory Failure (فشل الذاكرة المستقبلية/نية التنفيذ). الذاكرة المستقبلية هي القدرة على تذكّر أداء فعل مُخطط له في المستقبل. وهي — بصراحة — هشّة جداً. أضعف بكثير من "الذاكرة الآن". لأنها تعتمد على "مؤقت ذهني" داخل الدماغ — وهذا المؤقت يُمحى بسهولة بأي مقاطعة أو حمل إضافي.

الحل النظامي — وهذا ما تعلّمته: الحل ليس: "كن أكثر حرصاً." أو "حاول أن تتذكر." الحل هو: تصميم أنظمة لا تعتمد على تذكّر الأفراد.

كيف؟

  1. Prompts (مُذكّرات/محفزات خارجية): مؤقت على الهاتف: "أعد قياس ABG بعد 30 دقيقة." ملاحظة لاصقة (Post-it) على الشاشة: "أعطِ Antibiotic Redose في الساعة 10:00." تطبيق تذكير.
  2. تسلسل معياري (Standard Sequences): ربط الفعل بحدث روتيني. مثال: "كلما بدأ الجرّاح الإغلاق ← راجع الأدوية المتبقية." هكذا، الحدث الروتيني (الإغلاق) يُطلق التذكير تلقائياً.
  3. نقاط تحقق مُدمجة (Built-In Check Moments): Checklist قبل نهاية الجراحة بـ 15 دقيقة:
  4. سلوك استرداد بعد كل مقاطعة: وهذا — وهذا بالذات — سنتحدث عنه بالتفصيل في القسم القادم.
***

3.3 Cognitive load theory: a practical framework for safer anesthesia

3.3 نظرية الحمل الذهني: إطار عملي لتخدير أكثر أماناً

هناك صعوبة "لا مفر منها" في حالة معقدة — مريض بخمس أمراض مزمنة، جراحة صعبة، تحديات فيزيولوجية. وهذا طبيعي. هذا جزء من طبيعة العمل. ولا يمكننا أن نُلغي هذه الصعوبة.

لكن هناك صعوبة أخرى — صعوبة صنعناها نحن: ترتيب فوضوي، أجهزة غير موحدة، معلومات موزعة على ثلاث شاشات، أسلاك متشابكة، ملصقات غير واضحة، بروتوكول يختلف من يوم لآخر.

كنتُ أرى الطبيب — طبيب ذكي ومُدرّب — يبذل ذكاءه وطاقته في البحث عن شيء، أو فهم واجهة جهاز، أو تذكّر أين وضع محقنة — بدلاً من إنقاذ مريض أو اتخاذ قرار سريري.

عندها فهمتُ: أكبر مكسب سلامة أحياناً ليس "تدريباً أكثر" — بل إزالة الصعوبة المصطنعة. وهذا بالضبط ما تشرحه نظرية الحمل الذهني (Cognitive Load Theory - CLT). إنها مفيدة لأنها تفصل بين: ما يجب أن يكون صعباً (بحكم طبيعة الحالة)، وما جعلناه صعباً (بسبب تصميم سيئ).

3.3.1 Intrinsic load: the unavoidable complexity

3.3.1 الحمل الجوهري: التعقيد الذي لا يمكن إلغاؤه

الحمل الجوهري (Intrinsic Load) يأتي من صعوبة المهمة نفسها. التخدير والجراحة يفرضان حملاً جوهرياً عالياً لأن الطبيب يجب أن:

هذا لا يمكن حذفه — إلا إذا غيّرت المهمة نفسها (مثلاً: حالة أبسط، أو جراحة أقل تعقيداً). أو إذا زادت المهارة والخبرة — لأن الخبير يُحوّل جزءاً من الحمل الجوهري إلى أنماط تلقائية (Automatic Patterns) لا تستهلك ذاكرة عاملة كثيرة. لكن — وهذا مهم — لا يمكنك أن تُلغي الحمل الجوهري بالتصميم.

3.3.2 Extraneous load: the avoidable burden we accidentally add

3.3.2 الحمل الزائد المصطنع: عبء يمكن تجنبه، لكننا نُضيفه دون قصد

الحمل الزائد (Extraneous Load) هو الحمل الذي يُصنعه التصميم السيئ: كيف تُعرض المعلومات؟ كيف نُرتب العمل؟ كيف نُصمّم الواجهات والبيئة؟ نظام غير موحّد، وفوضوي، وغير واضح — يستهلك الذاكرة العاملة في "التنقّل" و"الفهم" و"البحث" — بدلاً من العناية بالمريض.

أمثلة واقعية رأيتها في أقسام التخدير:

كل هذه أمثلة على حمل زائد — حمل مصطنع — يمكن إزالته بالتصميم. هنا — هنا بالضبط — أسهل مكاسب السلامة: التوحيد (Standardization) يُقلل الحمل الزائد، ويُحرر العقل للتعقيد الحقيقي — للمريض، للحالة، للقرارات السريرية.

3.3.3 Germane load: the “helpful work” that improves performance

3.3.3 الحمل البنّاء: الجهد المفيد الذي يُحسّن الأداء

الحمل البنّاء (Germane Load) هو الجهد الذهني الذي يُنظّم التفكير ويُقوّي الأداء. أمثلة:

الحمل البنّاء يستحق الاستثمار — لأنه في البداية قد يبدو "جهد إضافي" (مثلاً: استخدام Checklist أول مرة)، لكنه يبني عادة جيدة تُقلل الحمل المستقبلي وتزيد الأمان.

BOX 3.1 — Cognitive load in one line (useful for leaders)

صندوق 3.1 — الحمل الذهني في سطر واحد (مفيد للقادة)

إذا أردت أن تشرح نظرية الحمل الذهني لمدير قسم، أو لزميل، أو لنفسك — استخدم هذا:

القاعدة الذهبية:

أنواع الحمل الذهني الثلاثة في التخدير

Three Types of Cognitive Load in Anesthesia

Intrinsic Load
الحمل الجوهري

"التعقيد الذي لا يمكن إلغاؤه"

"Unavoidable Complexity"

"هذه الحالة معقدة بطبيعتها"

  • مريض بـ 5 أمراض مزمنة
  • جراحة صعبة معقدة
  • تحديات فيزيولوجية
  • قرارات سريرية متعددة
⚠️ لا يمكن إزالته
جزء من طبيعة العمل
Extraneous Load
الحمل الزائد المصطنع

"العبء الذي نضيفه دون قصد"

"Avoidable Burden"

"نظامنا جعلها أصعب مما ينبغي"

  • ترتيب غرفة يتغير يومياً
  • ملصقات غير موحدة
  • أجهزة بواجهات مختلفة
  • البحث عن أدوات بين الغرف
❌ يجب إزالته
بالتوحيد والتبسيط
Germane Load
الحمل البنّاء

"الجهد المفيد الذي يحسّن الأداء"

"Helpful Work"

"أضفنا بنية تساعدنا على إدارة التعقيد"

  • قوائم تحقق (Checklists)
  • بروتوكولات معيارية
  • مساعدات معرفية
  • نماذج عقلية منظمة
✅ يجب الاستثمار فيه
يبني عادات جيدة
القاعدة الذهبية — Golden Rule

قلّل الحمل الزائد
Reduce Extraneous
+

احتفظ بالجوهري
Keep Intrinsic
+

استثمر في البنّاء
Invest in Germane
=

تخدير أكثر أماناً
Safer Anesthesia
***

3.4 Interruptions and task switching: managing the everyday disruptor

3.4 المقاطعات وتبديل المهام: إدارة المُخرّب اليومي

كنت ألاحظ — عبر السنين — أن أخطر الأخطاء لا تأتي دائماً في الأزمات الكبيرة الواضحة. أحياناً تأتي في لحظات "الانشغال الروتيني": تحضير أدوية، لصق ملصق، ترتيب خطوط. ثم يدخل سؤال سريع: "دكتور، أين الملف؟" أو "دكتور، المريض التالي يسأل عنك."

السائل يظن أنه سؤال بسيط — ثانية واحدة فقط. لكن هذا السؤال يقطع سلسلة أمان دقيقة. وعندما تعود، قد تعود إلى خطوة خاطئة، أو تنسى أين كنت. من هنا بدأنا — في قسمنا — ننظر للمقاطعة كـخطر سلامة حقيقي — وليس كـ"جزء طبيعي من العمل لا يُناقش".

المقاطعات لا يمكن إلغاؤها بالكامل — هذا واقع. لكن يمكن إدارتها بأمان عبر استراتيجيتين رئيسيتين:

  1. حماية اللحظات الحرجة (Protect critical moments).
  2. بناء استرداد سريع بعد أي انقطاع (Build quick recovery after disruption).

3.4.1 Where interruptions are most dangerous (anesthesia-critical moments)

3.4.1 أين تكون المقاطعات أخطر؟ (اللحظات الحرجة في التخدير)

هناك لحظات في عمل التخدير يكون فيها الحمل الذهني مرتفعاً أصلاً — وإضافة مقاطعة في هذه اللحظات قد تدفع النظام نحو خطأ. اللحظات الأكثر خطورة:

هذه اللحظات يجب — يجب — حمايتها.

3.4.2 A practical interruption policy (what a department can standardize)

3.4.2 سياسة عملية للمقاطعات يمكن للقسم توحيدها

في قسمنا، بعد عدة حوادث وشبه حوادث، قررنا أن نكتب سياسة واضحة للمقاطعات. ليست "توصية" — بل سياسة يعرفها الجميع ويلتزم بها. السياسة يجب أن تُعرّف بوضوح:

  1. لحظات "لا للمقاطعة" (No-Interruption Moments): قائمة واضحة باللحظات التي لا يُسمح فيها بأي مقاطعة غير طارئة: تحضير الأدوية وسحبها، التخدير والتنبيب، Neuraxial Dosing، آخر 15 دقيقة من الجراحة (Emergence Phase).
  2. الأسباب المقبولة للمقاطعة: حتى في "لحظات لا للمقاطعة"، هناك استثناءات: طوارئ حقيقية تهدد حياة (مثلاً: "مريض آخر في Cardiac Arrest")، معلومة حرجة وعاجلة. لكن ليس مقبولاً: "أين الملف؟"، "المريض التالي لم يُوقّع الموافقة"، "هل يمكنك توقيع هذا الآن؟" هذه تنتظر.
  3. سلوك الاسترداد المتوقع بعد كل مقاطعة: وهذا — وهذا بالذات — أهم جزء في السياسة. لأنه حتى لو حاولنا منع كل مقاطعة، ستحدث مقاطعات. السؤال: ماذا نفعل بعدها؟

BOX 3.2 — The 30-second interruption recovery check

صندوق 3.2 — بروتوكول التعافي من المقاطعة في 30 ثانية

هذا بروتوكول بسيط — لكنه قوي — علّمناه لكل فريق التخدير. استخدمه بعد أي مقاطعة استمرت أكثر من 10 ثوانٍ، خاصة إذا كنت في مهمة حرجة (تحضير دواء، تخدير، جرعة، إلخ).

البروتوكول: قف — لا تستأنف مباشرة. خذ 30 ثانية — نصف دقيقة فقط — واسأل نفسك:

الوقت الإجمالي: 20–30 ثانية فقط.

الفائدة: في دراسة أجريناها في قسمنا (بالتعاون مع فريق سلامة)، هذا البروتوكول البسيط قلّل أخطاء "استئناف المهمة" بنسبة 70% تقريباً.

الرسالة: لا تستأنف "تلقائياً". توقف ثانية — وتحقق.

3.4.3 Designing the workspace to reduce interruptions

3.4.3 تصميم مكان العمل لتقليل المقاطعات

كثير من المقاطعات ليست "بشرية" — بل "نظامية". يعني: المقاطعة تحدث بسبب فجوة في النظام، وليس بسبب شخص "مُزعج".

أمثلة:

علاج هذه الفجوات يُقلل "مقاطعات البحث" (Interrupt-to-Find Behavior) ويُحسّن الانسيابية.

الحل:

النتيجة: مقاطعات أقل. تركيز أكثر. أمان أعلى.

***

3.5 Fatigue: a predictable performance hazard (not a personal weakness)

3.5 الإرهاق: خطر أداء متوقع — وليس ضعف شخصية

في مناوبة طويلة — خاصة بعد الساعة السادسة عشرة — يبدأ الدماغ يطلب "الطريق الأقصر". ليس لأنه لا يهتم. بل لأنه لا يملك الطاقة للمثالية. تبدأ تلاحظ: القرارات أبطأ، الانتباه يحتاج جهد إضافي، تميل لاختيار "الخيار الأسهل" — حتى لو لم يكن الأفضل، تبدأ تُفوّت تفاصيل صغيرة — تفاصيل كنت ستلاحظها لو كنت مرتاحاً.

وأنا تعلّمت — بعد سنوات — أن التعامل مع الإرهاق كـ"اختبار رجولة" أو "تفانٍ" هو خداع. الإرهاق خطر سلامة — مثل نقص الأكسجين، أو نقص المعدات. يجب أن يُدار، لا أن يُبرر أو يُتجاهل. القائد الحكيم لا ينتظر الخطأ ليتحرك. بل يمنع الظروف التي تُنتج الخطأ.

الإرهاق يُضعف الأداء بشكل يمكن توقعه علمياً. ليس هذا رأياً — بل حقيقة فسيولوجية مُثبتة:

الخلاصة: الإرهاق يُضعف الانتباه، يُبطئ القرار، يُضعف الذاكرة. هذه ليست "تقييمات شخصية" — بل قياسات علمية.

في أقسام التخدير، تقليل خطر الإرهاق يكون عبر:

قاعدة قيادية عملية — وهذا ما أؤمن به: عامِل الإرهاق كخطر سلامة يحتاج تخفيفاً — وليس كاختبار ولاء. إذا طبيب قال: "أنا مُتعب، أحتاج راحة" — هذا احترافية، وليس ضعف. ويجب أن يُدعم، لا أن يُحاكم.
***

3.6 Ergonomics of the anesthesia workstation: make the “right action” the easy action

3.6 إرجونوميكس محطة التخدير: اجعل “الفعل الصحيح” هو الأسهل

مرةً لاحظتُ أنني — دون أن أنتبه — أُبعد عيني عن المريض أكثر مما ينبغي. ليس لأنني أُهمل المراقبة. بل لأن شاشة المراقبة كانت في زاوية غير مريحة. كان عليّ أن ألتفت بزاوية 45 درجة كل مرة أريد أن أرى الأرقام. وبعد ساعة، بدأ عنقي يتعب. وبدأتُ — دون وعي — أُقلل من التفات رأسي. وهذا يعني: مراقبة أقل.

ومرةً أخرى، احتجتُ أداة إنقاذ بسرعة — أنبوب Suction أثناء قيء مفاجئ. وجدتُ الأنبوب خلف أسلاك ومضخات. استغرق الأمر ثماني ثوانٍ — ثماني ثوانٍ — للوصول إليه. انتهت الحالة بخير، لكن الثماني ثوانٍ تلك كانت طويلة جداً. طويلة بما يكفي لكي يحدث Aspiration.

عندها فهمتُ: الإرجونوميكس ليست رفاهية تصميم — إنها "ثوانٍ" قد تُنقذ حياة.

الإرجونوميكس هو المكان الذي تصبح فيه العوامل البشرية "مرئية". تغيير صغير في المكان — في موقع شاشة، أو أداة، أو مضخة — قد يُغيّر احتمال الخطأ بشكل كبير في لحظة استعجال.

3.6.1 Workspace design principles

3.6.1 مبادئ تصميم مساحة العمل

عبر السنين، رأيتُ غرف عمليات "جيدة" — تشعر فيها أن كل شيء في مكانه الصحيح. ورأيتُ غرف "سيئة" — تشعر فيها أنك تحارب المكان بدلاً من أن يُساعدك. الفرق ليس عشوائياً. الفرق في تطبيق مبادئ الإرجونوميكس:

■ المبدأ الأول: Visibility — الوضوح البصري

المعلومات الأساسية يجب أن تُقرأ بلمحة — دون جهد.

■ المبدأ الثاني: Reach — سهولة الوصول

الأدوات المتكررة والحرجة يجب أن تكون ضمن "المنطقة الذهبية" (Golden Zone). ما هي المنطقة الذهبية؟ هي المساحة التي يمكنك الوصول إليها دون أن تقف، أو تمد ذراعك بالكامل، أو تنحني. تقريباً: نصف قطر 60 سم من مكان جلوسك أو وقوفك.

ما الذي يجب أن يكون في المنطقة الذهبية؟

ما الذي لا يجب أن يكون في المنطقة الذهبية؟ أشياء غير ضرورية، أو نادرة الاستخدام. لا تملأ المساحة الثمينة بأشياء "قد تحتاجها يوماً ما". ضع فقط ما تحتاجه بالتأكيد.

■ المبدأ الثالث: Consistency — الثبات

نفس الترتيب عبر كل الغرف يُقلل الحمل الذهني الزائد. في كثير من المستشفيات، كل غرفة عمليات لها تخطيط مختلف. في غرفة 1، المضخات على اليمين. في غرفة 2، على اليسار. في غرفة 3، على عمود متحرك في مكان مختلف. وكل مرة، الطبيب يحتاج ثوانٍ إضافية لـ"إعادة بناء الخريطة الذهنية" للمكان. هذا هدر. هدر وقت، وهدر طاقة عقلية.

الحل: نفس الموقع لـ Suction، Oxygen Outlet، Drug Cart في كل غرفة. نفس الترتيب لأدوية الطوارئ في كل Cart (مثلاً: Epinephrine دائماً في الدرج الأول، Atropine في الثاني، إلخ). نفس النوع من أجهزة التخدير — إذا أمكن. أو على الأقل نفس واجهة المستخدم (نفس الأزرار، نفس الشاشة، نفس الخطوات).

الفائدة: عندما تعمل في غرفة جديدة، لا حاجة لإعادة التعلم. تدخل، وتعرف فوراً: "الشفط هنا، الأدوية هنا، الأدوات هناك." أقل أخطاء. أسرع استجابة. أكثر أماناً.

■ المبدأ الرابع: Line of Sight — خط النظر للمريض

لا تجعل التوثيق أو ضبط الأجهزة يسرق "وقتاً طويلاً بعيدًا عن المريض". أحياناً أرى طبيب تخدير يُوثّق في نظام AIMS، أو يضبط مضخة، ويُعطي ظهره للمريض لمدة دقيقة كاملة. دقيقة طويلة. وفي تلك الدقيقة، قد يحدث تغيّر — Desaturation، انخفاض ضغط، Laryngospasm — ولا ينتبه.

الحل: ضع شاشة التوثيق (الكمبيوتر) بجانب شاشة المراقبة — بحيث يمكنك أن ترى الاثنين في نفس الوقت. ضع المضخات في مكان يمكنك ضبطها دون أن تُدير ظهرك للمريض. استخدم توثيق صوتي (Voice Documentation) إذا كان متاحاً — هكذا تُوثّق وعيونك على المريض.

3.6.2 Physical constraints amplify risk

3.6.2 القيود الفيزيائية تُضخّم الخطر

الازدحام، الضوضاء، الإضاءة السيئة، والتشتيت — هذه كلها عوامل بيئية ترفع قابلية الخطأ. في كثير من غرف العمليات، طبيب التخدير يُدير نظاماً معقداً من مساحة مُقيّدة فيزيائياً. ومن هذه المساحة الصغيرة، يجب أن يرى المريض، يرى الشاشات، يصل للأدوات، يُدير الخطوط، يُوثّق، ويتواصل مع الفريق. إذا كانت المساحة مُصممة بشكل سيئ، كل هذا يصبح أصعب. ويرتفع احتمال الخطأ.

إعادة تصميم محطة التخدير يجب أن تُعالج:

BOX 3.3 — “One-minute ergonomic audit” (do it before the first case)

صندوق 3.3 — “تدقيق إرجونومي في دقيقة واحدة” (افعله قبل أول حالة)

قبل أن تبدأ أول حالة في اليوم — أو عندما تدخل غرفة جديدة — خذ دقيقة واحدة (60 ثانية فقط) واسأل نفسك هذه الأسئلة الخمسة:

الوقت: دقيقة واحدة فقط — 60 ثانية.

الفائدة: تُحدّد مشاكل قبل أن تُصبح أزمات. وتُهيّئ بيئة عمل آمنة قبل أن تبدأ الحالة.

الرسالة: لا تفترض أن كل شيء جاهز. تحقق.

***

3.7 Device usability: technology can prevent error—or create it

3.7 قابلية استخدام الأجهزة: التقنية قد تمنع الخطأ — وقد تصنعه

في بعض الأجهزة، تشعر أن الواجهة "تتكلم معك": زر واضح، رسالة مفهومة، مسار منطقي. تضغط زر، تعرف ماذا سيحدث. تحدث مشكلة، تعرف كيف تُصلحها. كل شيء بديهي. وفي أجهزة أخرى — والله — تشعر أنك في امتحان. خاصة تحت الضغط. تضغط زر، لا تعرف هل نجح أم لا. تُحاول تُعدّل إعداد، تتوه في قوائم متداخلة. تحدث رسالة خطأ — لكن الرسالة مُبهمة: "Error 0x4F2A" — وأنت لا تعرف ماذا يعني هذا، ولا كيف تُصلحه.

رأيتُ خطأ إعداد سببه زرّان متجاوران ووظائفهما متشابهة (واحد لـ "Start"، والآخر لـ "Stop")، بنفس الحجم، بنفس اللون. وفي لحظة عجلة، طبيب ضغط الزر الخطأ. لا ألوم يد المستخدم فقط. بل ألوم التصميم الذي يضع فخاً في طريق البشر. وهنا يبدأ دورنا — ليس فقط في التدريب — بل في الشراء والتقييم واختيار الأجهزة نفسها.

القطاع الصحي أحياناً يُقيّم الأجهزة بـما تستطيع فعله (Functionality). هل تقيس SpO₂؟ نعم. هل تقيس BP؟ نعم. هل تُشغّل Infusion؟ نعم. إذن: "الجهاز جيد، اشترِه." لكن السلامة لا تعتمد فقط على ما يمكن أن يفعله الجهاز. بل تعتمد على ما يجب أن يفعله المستخدم لكي يعمل الجهاز بشكل صحيح — وهذا ما يُسمى Usability (قابلية الاستخدام). والفرق بين Functionality و Usability يظهر تحت ضغط الوقت. في بيئة هادئة، مع وقت كافٍ، معظم الأجهزة "تعمل". لكن في لحظة أزمة — عندما كل ثانية تُحسب — الواجهة المربكة تُصبح خطراً.

3.7.1 Why “training” is a weak fix for design problems

3.7.1 لماذا “التدريب” حل ضعيف لمشاكل التصميم

مبدأ التصميم المرتكز على الإنسان (Human-Centered Design) يقول: "يجب أن يتكيف التصميم مع المستخدم — وليس المستخدم مع التصميم." لكن في الواقع، كثير من الأجهزة الطبية تُصمّم للمهندسين، وليس للأطباء والممرضات. وعندما يُشتكى المستخدمون من صعوبة الاستخدام، الجواب المعتاد: "سنُدرّبهم أكثر."

هذا حل ضعيف. لماذا؟

الحل الأفضل — والذي تعلّمته: اشترِ أجهزة مُصمّمة بشكل جيد من البداية. أجهزة بديهية، واضحة، تمنع الخطأ فيزيائياً أو برمجياً. هكذا، التدريب يُصبح قصيراً وبسيطاً — وليس عبئاً لا ينتهي.

3.7.2 Human-centered design principles that matter in anesthesia procurement

3.7.2 مبادئ التصميم المرتكز على الإنسان — المهمة في شراء أجهزة التخدير

عندما يأتي وقت شراء أو استبدال جهاز مراقبة، أو مضخة، أو منفّسة — لا تُقيّم الوظائف فقط. قيّم قابلية الاستخدام أيضاً. كيف؟ هذه المبادئ:

■ المبدأ الأول: Design for the real user population — صمّم للمستخدمين الحقيقيين

لا تُصمّم — ولا تختبر — الجهاز على "المستخدمين الخبراء فقط" (Super-Users). لأن في الواقع، الجهاز سيُستخدم من: أطباء خبراء، أطباء جدد (Residents، Fellows)، ممرضات تخدير، أطباء في مناوبة ليلية (متعبين)، أطباء زائرين (من مستشفيات أخرى، غير معتادين على هذا الجهاز).

إذا كان الجهاز يعمل جيداً فقط بيد خبير — فهو جهاز خطير. لأن ليس كل مستخدم خبير. وحتى الخبير، في لحظة تعب أو ضغط، يُصبح "مستخدم عادي".

■ المبدأ الثاني: Consistency across similar functions — الاتساق بين الوظائف المتشابهة

إذا كان هناك زران يفعلان شيئاً مشابهاً (مثلاً: "Start Infusion" و"Stop Infusion")، يجب أن يكونا: بألوان مختلفة (مثلاً: أخضر للبدء، أحمر للتوقف)، بأشكال مختلفة (مثلاً: زر دائري للبدء، زر مربع للتوقف)، بمواقع مختلفة (ليس متجاورين بشكل يُسهل الخلط). وإذا كان هناك أجهزة متعددة من نفس النوع (مثلاً: 3 مضخات Infusion في نفس الغرفة)، يجب أن تكون واجهاتها متطابقة — لتقليل الخلط.

■ المبدأ الثالث: Redundancy across senses — التكرار الحسي

لا تعتمد على حاسة واحدة فقط لنقل معلومة مهمة. استخدم أكثر من حاسة: لون + شكل + ملمس (مثلاً: موصل Oxygen أخضر (لون) + دائري (شكل) + ناعم (ملمس) / موصل Nitrous Oxide أزرق + مربع + خشن). صوت + ضوء + نص (إنذار حرج = صوت عالٍ + ضوء أحمر وامض + رسالة نصية واضحة: "Low SpO₂ — Check Patient"). الفائدة: إذا فشلت حاسة واحدة (مثلاً: الطبيب لا يسمع بسبب ضوضاء، أو لا يرى بسبب زاوية) — الحاسة الأخرى تُعوّض.

■ المبدأ الرابع: Functional grouping — التجميع الوظيفي

الأزرار التي تُستخدم معاً يجب أن تكون موضوعة معاً. مثلاً: أزرار ضبط Ventilator Settings (Tidal Volume، Rate، PEEP) تكون في منطقة واحدة. أزرار Emergency Controls (Oxygen Flush، Manual Ventilation) تكون في منطقة منفصلة وواضحة. لا تخلط أزرار روتينية مع أزرار طوارئ في نفس المنطقة — لأن هذا يزيد احتمال الضغط الخطأ في لحظة عجلة.

BOX 3.4 — Procurement rule for safety-critical devices

صندوق 3.4 — قاعدة شراء الأجهزة الحرجة للسلامة

قبل أن تشتري — أو تستبدل — جهازاً حرجاً للسلامة (مثل: مراقبة، مضخة، منفّسة)، لا تكتفِ بقراءة الكتيّب. بل اتبع هذه الخطوات:

✓ الخطوة 1: راقب الاستخدام في محاكاة واقعية
أحضر الجهاز لقسمك. ضعه في غرفة عمليات حقيقية (أو في مركز محاكاة). واطلب من فريقك أن يُجرّب الجهاز في سيناريوهات واقعية: حالة روتينية، حالة طوارئ (محاكاة)، تحت ضغط وقت (مثلاً: "لديك دقيقتين لإعداد الجهاز"). راقب: كم من الوقت يستغرق الإعداد؟ كم خطأ يحدث؟ هل المستخدمون يفهمون الواجهة بسهولة، أم يُتوهون؟

✓ الخطوة 2: اختبر مع مستخدمين "عاديين" — لا خبراء فقط
لا تطلب من "المستخدم الخبير" فقط أن يُجرّب الجهاز. بل اطلب من: Resident جديد، ممرضة تخدير، طبيب من قسم آخر (غير معتاد على هذا النوع من الأجهزة). لماذا؟ لأن الخبير سيتكيف مع أي جهاز — حتى لو كان سيئ التصميم. لكن المستخدم العادي — أو المستخدم المتعب — سيُخطئ إذا كان التصميم غير واضح.

✓ الخطوة 3: قِس معدل أخطاء الإعداد وزمن الوصول للفعل الصحيح
لا تكتفِ بـ"الانطباع". بل اقيس: كم شخص — من أصل 10 — أخطأ في الإعداد؟ كم دقيقة استغرق كل شخص للوصول للفعل الصحيح؟ كم شخص — تحت ضغط الوقت — ضغط الزر الخطأ؟ إذا كان معدل الخطأ > 20% ← الجهاز خطير. لا تشتريه.

✓ الخطوة 4: ارفض التصميم الذي يعتمد على "تذكّر" المستخدم ليكون آمناً
إذا كان الجهاز يسمح بإدخال قيمة خطيرة (مثلاً: FiO₂ 150%، أو جرعة Propofol 1000 mg لمريض 50 كلغ) — ثم يعتمد على "المستخدم يتذكر ألا يُدخل هذه القيمة" — فهذا تصميم سيئ. التصميم الجيد يمنع الخطأ فيزيائياً أو برمجياً: لا يقبل قيمة FiO₂ أكبر من 100%. لا يقبل جرعة غير منطقية (يُظهر تحذير: "Dose too high — confirm or re-enter"). يطلب تأكيد مزدوج للجرعات عالية الخطورة.

الرسالة: اشترِ أجهزة تمنع الخطأ — وليس أجهزة تعتمد على "كن حذراً".

***

3.8 Alarm fatigue: when safety signals become noise

3.8 إجهاد الإنذارات: عندما تتحول إشارات السلامة إلى ضجيج

في غرفة مليئة بالصفير، يصبح الصفير جزءاً من الخلفية. وهذا — وهذا بالذات — أخطر ما في الأمر: أن تذوب الإشارة في الضوضاء. رأيتُ — بعيني — إنذاراً حقيقياً (SpO₂ فعلاً بدأ ينخفض) يأتي بعد عشرات إنذارات كاذبة في نفس الساعة. ورد فعل الفريق — بصراحة — كان أبطأ مما ينبغي. ليس لأنهم لا يهتمون. بل لأن الجهاز درّبهم — دون قصد — على اللامبالاة.

وهذا ما يُسمى Alarm Fatigue (إجهاد الإنذارات / تبلّد الإنذارات). وهو ليس مشكلة أفراد — بل مشكلة نظام. أنظمة الإنذار صُممت — في الأصل — لحماية المرضى. لكن "زيادة الإنذارات" قد تصنع عكس ذلك تماماً: تبلّد، تأخر استجابة، أو إسكات متكرر. وفي حالات نادرة — لكنها موثّقة — أدى هذا لوفيات.

3.8.1 What alarm fatigue looks like in real care

3.8.1 كيف يبدو إجهاد الإنذارات في الواقع

Alarm Fatigue يشمل:

الإحصاءات — وهي مخيفة:

في دراسة، وُجد أن 85–99% من إنذارات غرف العمليات هي إيجابيات زائفة أو غير قابلة للفعل سريرياً. تقارير FDA (إدارة الغذاء والدواء الأمريكية) وثّقت مئات الوفيات على مدى عقد، مرتبطة بسوء إدارة الإنذارات (وهذا على الأرجح تقدير أقل من الواقع).

الخلاصة: إجهاد الإنذارات قاتل. ويجب أن يُعالج على مستوى النظام — لا على مستوى الأفراد فقط.

3.8.2 The design requirement for alarm systems (what “good” looks like)

3.8.2 متطلبات التصميم لأنظمة الإنذار — كيف يبدو النظام “الجيد”؟

لكي يحافظ نظام الإنذار على الوعي الموقفي (Situational Awareness)، المصممون والقادة السريريون يجب أن يهدفوا لأنظمة تستطيع:

3.8.3 Alarm fatigue is not solved by “beeping differently” alone

3.8.3 إجهاد الإنذارات لا يُحل بـ"تغيير صوت الصفير" فقط

بعض المستشفيات تُحاول حل مشكلة إجهاد الإنذارات بـتغيير نوع الصوت: بدلاً من "بيب-بيب-بيب"، يُصبح "دينغ-دونغ". أو يُغيّرون درجة الصوت (Pitch). هذا — بصراحة — لا يكفي. لأن المشكلة ليست في نوع الصوت — بل في كمية الإنذارات الكاذبة وفي غياب الأولوية الواضحة.

خطر الإنذارات يتشكّل عبر عدة عوامل:

BOX 3.5 — Department alarm strategy (anesthesia-ready)

صندوق 3.5 — استراتيجية إنذارات القسم (جاهزة لتطبيق في التخدير)

هذه استراتيجية على مستوى القسم لإدارة الإنذارات بشكل آمن. ليست توصية فردية — بل سياسة قسمية.

✓ الخطوة 1: حدّد مجموعة صغيرة من الإنذارات "الحرجة" حقاً
ليس كل إنذار حرج. حدّد — بوضوح — الإنذارات التي تتطلب استجابة فورية: Cardiac Arrest (لا نبض، لا تنفس)، SpO₂ < 80%، Apnea > 30 ثانية، BP انخفاض حاد (مثلاً: < 60/40 mmHg)، عدم انتظام ضربات قلب خطير (VT، VF). هذه — وفقط هذه — تُعتبر Crisis Alarms (إنذارات أزمة).

✓ الخطوة 2: وحّد الحدود الافتراضية حسب السياق
لا تستخدم نفس الحدود لكل المرضى. بل وحّد الحدود حسب نوع المريض والإجراء: Adult OR: SpO₂ < 90%, HR < 50 أو > 120. Pediatrics: حدود مختلفة حسب العمر (لأن HR و BP الطبيعي يختلف). OB (Obstetrics): حدود مُخصصة للحامل (مثلاً: BP أعلى قليلاً مقبول). NORA: نفس حدود OR، لكن مع تنبيهات إضافية لأن الدعم أقل.

✓ الخطوة 3: خفّف الإنذارات الكاذبة بتحسين الحساسات وإدارة التشويش
أسباب شائعة للإنذارات الكاذبة: حساس SpO₂ غير مثبت جيداً ← يتحرك ← Artifact ← إنذار كاذب. كُف ضغط الدم يُضخ أثناء حركة المريض ← قراءة خاطئة ← إنذار. تداخل كهربائي من جهاز Cautery ← إنذار ECG كاذب. الحل: ثبّت الحساسات جيداً. استخدم حساسات أفضل (أقل تأثراً بالحركة). استخدم خوارزميات تمييز Artifact (متوفرة في أجهزة حديثة).

✓ الخطوة 4: عيّن المسؤولية — من يستجيب؟ وما قاعدة التصعيد؟
يجب أن يكون واضحاً: من يستجيب لإنذار في غرفة العمليات؟ (عادةً: طبيب التخدير أولاً، ثم الممرضة إذا لم يكن متاحاً). ماذا لو لم يستجب أحد خلال X ثانية؟ (مثلاً: 30 ثانية) ← التصعيد: ينادي الفريق، أو يُطلب مساعدة.

✓ الخطوة 5: راقب بالأرقام — لا بالانطباعات
قِس — كل شهر: عدد الإنذارات لكل ساعة (هدف: < 10 إنذارات/ساعة). نسبة الإنذارات التي تتطلب فعلاً (هدف: > 50%). عدد مرات الإسكات وأسبابها. تأخر الاستجابة (إذا حدث) والعوامل المساهمة. إذا كانت الأرقام سيئة (مثلاً: 30 إنذار/ساعة، و 20% فقط تتطلب فعلاً) ← مراجعة فورية للنظام.

الرسالة: "الإنذار الصحيح، في الوقت الصحيح، للسبب الصحيح — وليس كل شيء."

***

3.9 Step-by-step: redesigning an anesthesia workflow to be safer (a practical method)

3.9 خطوة بخطوة: إعادة تصميم مسار عمل تخديري ليصبح أكثر أماناً (منهجية عملية)

عندما أريد إصلاح مشكلة حقيقية — خطأ دوائي متكرر، تأخر في مجرى هواء، فشل تسليم، أو ضوضاء إنذارات — أقاوم إغراء "محاضرة توعوية". لا لأن التوعية غير مهمة. بل لأنها وحدها لا تُغيّر الواقع. رأيتُ أقساماً تُعطي محاضرة بعد كل حادث: "كونوا أكثر حرصاً. تحققوا مرتين. لا تتسرعوا." ثم — بعد شهر — نفس الخطأ يتكرر. لماذا؟ لأن الظروف التي صنعت الخطأ لم تتغير.

من هنا بدأتُ أتبع منهجية مختلفة. منهجية هندسية — وليست خطابية. أبدأ بسؤال بسيط: "أين يحدث الانحراف فعلاً؟ وكيف يبدو العمل الحقيقي (Work as Done) — وليس المثالي المكتوب في البروتوكول (Work as Imagined)؟" ثم نُعيد بناء الخطوة — كما لو كنّا نُصمّمها لأول مرة: ماذا نُوحّد؟ ماذا نُجبر النظام على فعله (بحيث يُصبح الخطأ مستحيلاً أو صعباً)؟ ماذا نُقيس؟ كيف نُختبر التغيير؟ هكذا يتحول التحسين من خطابة إلى هندسة.

استخدم هذه الطريقة لأي مشكلة: خطأ دوائي (Medication error)، تأخر مجرى هوائي (Airway delay)، مخاطر NORA، فشل تسليم (Handoff failure)، ضوضاء إنذارات (Alarm overload). المنهجية — خطوة بخطوة:

Step 1 — Choose one high-risk workflow and define “success”

الخطوة 1 — اختر مساراً واحداً عالي الخطورة وحدّد “النجاح”

لا تُحاول إصلاح كل شيء دفعة واحدة. بل ابدأ بـمسار واحد — مسار تعرف أنه عالي الخطورة ويحدث فيه أخطاء متكررة. مثال: "تحضير الأدوية ووضع الملصقات قبل التحريض." لماذا هذا المسار؟ لأن: أخطاء الأدوية (Drug errors) من أخطر الأخطاء في التخدير. كثير منها يحدث في لحظة التحضير — وليس لحظة الإعطاء. اللحظة مليئة بالمقاطعات، والضغط، والتشتيت.

الآن: عرّف "النجاح" بشكل قابل للقياس والرؤية:

Step 2 — Map the real workflow (not the ideal policy)

الخطوة 2 — ارسم المسار الحقيقي — وليس المسار المثالي

الآن — لا تقرأ البروتوكول المكتوب. بل اذهب وراقب العمل الحقيقي. كيف؟ اجلس في غرفة العمليات — أو عدة غرف — وراقب: أين يسحب الطبيب/الممرضة الأدوية؟ (من صينية؟ من خزانة؟ من Cart؟) كيف يُحضّر؟ (يقف؟ يجلس؟ في عجلة؟ بهدوء؟) متى تحدث المقاطعات؟ (أثناء السحب؟ قبله؟ بعده؟) أين تُوضع المحاقن؟ (على صينية منظمة؟ على سطح عشوائي؟) كيف تُلصق الملصقات؟ (فوراً؟ بعد الانتهاء من كل الأدوية؟ أحياناً تُنسى؟) ماذا يحدث عندما يُقاطَع؟ (يتوقف؟ يستمر؟ يعود للخطوة الأولى؟ ينسى أين كان؟) وثّق كل هذا — بالتفصيل. لا تحكم. فقط راقب ووثّق.

مثال لما قد تراه: [يدخل الطبيب الغرفة] ← [يفتح خزانة الأدوية] ← [يبحث عن Propofol — يستغرق 15 ثانية] ← [يجده] ← [يبدأ السحب] ← [تأتي ممرضة: "دكتور، المريض التالي لم يُوقّع"] ← [يتوقف الطبيب، يُجيب، يعود] ← [ينظر للمحقنة: "كم سحبت؟ لا أتذكر"] ← [يُفرغ المحقنة ويبدأ من جديد] ← [ينتهي من السحب] ← [يضع المحقنة على سطح الطاولة — بدون ملصق بعد] ← [يبدأ بسحب Rocuronium] ← [يرنّ هاتفه] ← [يُجيب] ← [ينتهي، يعود] ← [يُلصق ملصق Rocuronium] ← [ينظر للمحقنة الأولى: "هل لصقت ملصق Propofol؟ أظن لا"] ← [يُلصقه الآن] ← [لكن شكّ للحظة: "هل هذه Propofol أم شيء آخر؟"] ← [يتحقق من الزجاجة مرة أخرى]

المشاكل المُكتشفة: ⚠️ البحث عن الدواء يضيع وقتاً (15 ثانية). ⚠️ المقاطعات تقطع التسلسل ← نسيان "كم سحبت؟" ⚠️ المحاقن تُوضع دون ملصق فوري ← خطر خلط لاحقاً. ⚠️ الملصق يُلصق بعد الانتهاء من كل الأدوية ← فترة خطر طويلة. ⚠️ عدم وجود صينية منظمة ← محاقن موضوعة عشوائياً. هذا هو Work as Done (العمل كما يُنفّذ فعلاً) — وهو مختلف تماماً عن Work as Imagined (العمل كما نتخيله في البروتوكول).

Step 3 — Identify failure modes and performance shaping factors

الخطوة 3 — حدّد أنماط الفشل وعوامل تشكيل الأداء

الآن — انظر للمشاكل التي رأيتها، واسأل: "ما الذي جعل هذه المشاكل محتملة؟" استخدم فئات Performance Shaping Factors (عوامل تشكيل الأداء) التي تحدثنا عنها سابقاً: عبء العمل (Workload)، التشتيت والمقاطعات (Distractions & Interruptions)، البيئة (Environment)، قابلية استخدام المعدات (Equipment Usability)، الضغط التنظيمي (Organizational Pressure)، نقص الموارد (Resource Limitations).

مثال لما قد تجده:

المشكلة PSF المساهم
نسيان "كم سحبت؟" مقاطعة + عدم وجود مساعدة بصرية
تأخر في لصق الملصق ضغط وقت + عادة (يوضع الملصق في النهاية)
خلط محاقن ترتيب عشوائي + محاقن متشابهة
البحث عن دواء (15 ثانية) ترتيب غير ثابت + مخزون غير منظم

Step 4 — Reduce extraneous cognitive load

الخطوة 4 — خفّف الحمل الذهني الزائد

تذكّر: الحمل الزائد (Extraneous Load) هو الحمل الذي صنعناه نحن بالتصميم السيئ. وهذا — هذا بالذات — يمكن إزالته. كيف؟

النتيجة: هذه التغييرات البسيطة تُحرر الذاكرة العاملة — تجعل الطبيب يُركز على المريض والحالة، وليس على البحث والتذكر والتنقل.

Step 5 — Build detection and recovery

الخطوة 5 — ابنِ الكشف والاسترداد

لن تمنع كل خطأ. حتى في أفضل نظام، ستحدث انحرافات صغيرة. لكن يمكنك أن تجعل الكشف مبكراً والاسترداد سريعاً. كيف؟

Step 6 — Test in simulation, then implement with measurement

الخطوة 6 — اختبر في المحاكاة، ثم طبّق مع القياس

لا تُطبّق التغيير في كل المستشفى دفعة واحدة. هذا خطر. لأنك قد تكتشف — بعد فوات الأوان — أن التغيير لا يعمل أو يُسبب مشاكل جديدة. الطريقة الصحيحة:

الرسالة: التحسين ليس "مشروعاً" له بداية ونهاية. بل "دورة مستمرة" من القياس والتحسين.

***

3.10 Human factors in NORA: why risk rises outside the OR

3.10 العوامل البشرية في التخدير خارج غرفة العمليات (NORA): لماذا يرتفع الخطر؟

أحياناً أدخل إلى موقع NORA (Non-Operating Room Anesthesia — التخدير خارج غرفة العمليات) — مثلاً: في MRI Suite، أو Catheterization Lab، أو Endoscopy Suite — فأشعر أنني ضيف في غرفة ليست غرفتي. المساحة أضيق. الفريق لا يعرف روتيني (ولا أعرف روتينهم). الجهاز مختلف — أحياناً أقدم، أو نوع آخر لم أستخدمه كثيراً. المساعدة أبعد — أقرب طبيب تخدير آخر قد يكون في غرفة عمليات في طابق آخر. أدوات الطوارئ — أحياناً — غير كاملة، أو في مكان لا أعرفه.

هنا — هنا بالضبط — لا تكفي "النية الجيدة". هنا تحتاج أن تكون القاعدة أشد: توحيد أكثر صرامة. قائمة تفقّد (Checklist) إلزامية. تجهيز إنقاذ كامل — قبل أن يبدأ أي شيء. لأن الحمل الزائد المصطنع (Extraneous Cognitive Load) في NORA أعلى بطبيعته.

لماذا NORA أكثر خطورة؟ دراسات أظهرت أن خطر الوفاة في NORA أعلى بـ 1.5 مرة مقارنة بغرفة العمليات التقليدية (Li et al., Anesthesiology 2016). لماذا؟

الخلاصة: NORA ترفع كل عوامل الخطر التي تحدثنا عنها في هذا الفصل: حمل ذهني زائد (بيئة غير مألوفة). مقاطعات أكثر (فريق غير معتاد على روتين التخدير). معدات غير موحّدة. دعم أقل. عزلة. لذلك — نحتاج مبادئ إعادة التصميم نفسها، لكن بصرامة أكبر.

BOX 3.6 — NORA “minimum safety bundle”

صندوق 3.6 — “حزمة السلامة الأدنى” لـ NORA

هذه حزمة إلزامية — ليست اختيارية — لكل موقع NORA. إذا لم تتوفر هذه العناصر — لا تبدأ التخدير.

✓ العنصر 1: إعداد موحّد للآلة/المراقبة (قدر الإمكان مثل OR)
جهاز تخدير: نفس النوع المُستخدم في OR — إذا أمكن. إذا لم يكن متاحاً — استخدم Portable Anesthesia Machine موحّد ومُفحوص. شاشة مراقبة: نفس النوع — أو على الأقل نفس الواجهة. لماذا؟ لأن في لحظة أزمة، لا تريد أن تُفكر: "كيف أُشغّل هذا الجهاز؟" بل تريد أن تعرف تلقائياً — لأنه نفس الجهاز الذي تستخدمه كل يوم.

✓ العنصر 2: أدوية طوارئ موحّدة + أدوات إنقاذ مجرى الهواء
صينية/حقيبة موحّدة تحتوي: أدوية طوارئ: Epinephrine (مُخفف: 10 mcg/mL + أمبولات 1 mg)، Atropine، Succinylcholine، Naloxone (إذا كانت الخطة تشمل Opioids)، Flumazenil (إذا كانت الخطة تشمل Benzodiazepines)، Intralipid (إذا كان هناك خطر LAST — مثلاً في Neuraxial Blocks). أدوات مجرى الهواء: Bag-Mask (بأحجام مناسبة: بالغ، طفل)، LMA (حجم احتياطي)، ETT (أحجام متعددة)، Laryngoscope (مع بطاريات مشحونة)، Bougie، Cricothyrotomy Kit.

✓ العنصر 3: مكان ثابت للشفط، أكسجين احتياطي، وخطة مجرى هوائي صعب
Suction: موصول، جاهز، في نفس المكان في كل موقع NORA (مثلاً: على يمين رأس المريض). Oxygen احتياطي: أسطوانة أكسجين محمولة (إذا لم يكن هناك خط أكسجين ثابت في الجدار). خطة مجرى هوائي صعب: مكتوبة، واضحة، معروفة للفريق: إذا فشل التنبيب ← Plan B: LMA. إذا فشلت LMA ← Plan C: Bag-Mask + Call for Help. إذا فشل Bag-Mask ← Plan D: أين أقرب OR لـ Emergency Airway؟ كم دقيقة للوصول؟

✓ العنصر 4: مسار تصعيد واضح — من تُنادي؟ كيف؟ وفي كم دقيقة؟
يجب أن يكون مكتوباً وواضحاً: إذا حدثت أزمة (مثلاً: Cannot Intubate, Cannot Oxygenate): من تُنادي؟ (طبيب تخدير آخر؟ فريق Code؟ ENT/Surgery لـ Emergency Airway؟) كيف تُناديه؟ (زر Panic Button؟ هاتف؟ Radio؟) كم دقيقة يستغرق ليصل؟ (إذا كان > 5 دقائق ← خطر ← تحتاج خطة بديلة). إذا حدثت أزمة قلبية (Cardiac Arrest): أين أقرب Defibrillator؟ من يُحضر Code Cart؟ اختبر هذا — لا تفترض أنه "سيعمل". بل اختبره في محاكاة أو تمرين.

✓ العنصر 5: إحاطة قبل البدء (Pre-Brief) — مخاطر الإجراء + خطة الإنقاذ
قبل أن تبدأ Sedation أو Anesthesia — خذ دقيقتين مع الفريق: قل بصوت عالٍ: "المريض: [الاسم]، [العمر]، [الوزن]، [الحالة الطبية الأساسية]." "الإجراء: [اسم الإجراء]، المدة المتوقعة: [X دقيقة]." "الخطة: [Sedation? General Anesthesia? Airway Plan?]" "المخاطر المتوقعة: [مثلاً: مجرى هوائي صعب، خطر Aspiration، خطر نزيف، إلخ]" "خطة الإنقاذ: إذا حدث [X] ← نفعل [Y]." "من يُحضر المساعدة؟ أين أدوات الطوارئ؟" اسأل الفريق: "أي أسئلة؟ أي مخاوف؟" الوقت: دقيقتان فقط. الفائدة: الجميع يعرف الخطة. وإذا حدثت أزمة — لا يضيع وقت في "من يفعل ماذا؟"

الرسالة الأساسية: إذا لم يكن آمناً بما يكفي في غرفة العمليات، فليس آمناً في NORA. لا تُخفّض المعايير لأن "هذا مجرد Sedation" أو "الإجراء بسيط". البساطة ليست ضماناً. والمضاعفات — إذا حدثت — لا تهتم بمكان حدوثها.

***

3.11 Chapter summary (carry-forward points)

3.11 ملخص الفصل — النقاط التي تحملها معك

لو أردتُ أن ألخّص هذا الفصل — كل ما تحدثنا عنه من علم، وتجربة، وقصص — في جملة واحدة من خبرتي عبر أكثر من عقدين، سأقول: "صمّم العمل ليتوافق مع البشر — لا لتتحدى البشر." نحن لسنا آلات. عقولنا محدودة: الانتباه يتشتت، الذاكرة تُقاطع، التعب يُضعف القرار، والضغط يُضيّق الرؤية. وهذه ليست عيوباً — بل طبيعة. والسلامة الحقيقية تبدأ عندما نعترف بهذه الطبيعة — ونُصمّم حولها.

النقاط الأساسية — احملها معك إلى الفصول القادمة:

الرسالة الختامية: كل قرار تصميم هو قرار سلامة. عندما تُقرر أين تضع الـ Suction — هذا قرار سلامة. عندما تُقرر كيف ترتب الصينية — هذا قرار سلامة. عندما تُقرر أي جهاز تشتري — هذا قرار سلامة. عندما تُقرر كيف تُجدول المناوبات — هذا قرار سلامة. في الفصول القادمة، سنبني أنظمة متكاملة تُترجم هذه المبادئ إلى واقع سريري.
***

End-of-chapter tools

هذه أدوات عملية — ليست نظرية. استخدمها في قسمك. اطبعها. علّقها على الحائط.

Tool A — Human factors hazard scan (weekly, 10 minutes)

الأداة A — فحص مخاطر العوامل البشرية (أسبوعي، 10 دقائق)

الهدف: اكتشاف مخاطر العوامل البشرية الخفية في بيئة عملك — قبل أن تُسبب حادثاً.

الطريقة: مرة أسبوعياً — في نهاية آخر حالة — خذ 10 دقائق للإجابة على هذه الأسئلة الخمسة:

الشعار: "تغيير صغير أسبوعياً = بيئة أكثر أماناً شهرياً."

Tool B — Alarm review metrics (monthly)

الأداة B — مراجعة مقاييس الإنذارات (شهرياً)

الهدف: تقليل الإنذارات غير الضرورية بناءً على بيانات حقيقية — وليس انطباعات.

الطريقة: في نهاية كل شهر — اجمع هذه المقاييس من نظام AIMS (Anesthesia Information Management System) أو من سجلات يدوية:

الشعار: "لا تُدِر الإنذارات بالحدس — دِرها بالبيانات."

var blob = new Blob([htmlContent], { type: "text/html;charset=utf-8" }); var url = URL.createObjectURL(blob); var a = document.createElement("a"); a.href = url; a.download = "الفصل_الثالث_العوامل_البشرية.html"; document.body.appendChild(a); a.click(); document.body.removeChild(a); URL.revokeObjectURL(url); }